جزاء الصابرين

معاناتي مع ساعات الانتظار وعدم اهتمام الناس بالمواعيد هي معاناة مستمرة أجبرتني على التكيف معها في أوقات كثيرة لدرجة التبلد، فقد أصبحت في بعض الأحيان وليس كلها صبوراً لدرجة لا يمكن لأحد غيري أن يتحملها، وربما يفسر البعض ممن يشاهدني في استراحة المنتظرين أو طوابير الانتظار بالرجل الخالي من المشاعر؛ لأن الناس قد اعتادوا على التفسيرات السلبية والصور الذهنية الخاطئة وخصوصاً عندما يقومون بمراجعة الدوائر الحكومية أو بعض الشركات الخاصة، فيظنون أن الموظف الغائب عن عمله هو شخص متعمد أو غير مبالي، والشخص الموجود الذي لا يستطيع أن ينجز المعاملات المتراكمة أمامه بالشخص الكسول، ويعتقدون أن الجهة التي تواجه مشكلة في التعامل مع ضغط المراجعين هي جهة مستفيدة ومفروضة عليهم.
وفي حقيقة الأمر لا يمكن الجزم بكل تلك التأويلات وكل تلك الظنون التي تبقى ظنوناً إذا لم يوجد ما يؤكدها على أرض الواقع، فقديماً قالت العرب: “الغائب عذره معه”، وهي إشارة إلى عدم الاستعجال في الحكم على الناس في غيابهم وأهمية الصبر والانتظار لحين تبيان الحقيقة.
وحديثي عن المواقف المعتادة التي تتطلب قدراً معيناً من الصبر والتحمل لا يعني بالضرورة أنني اختزل الموضوع برمته في هذا المسار، فهناك الكثير من الأمور التي لا تقارن أبداً بما ذكرته آنفاً في محتوى المقال، فالصبر على المصائب كوفاة الأقارب أو المرض ليس كالصبر في انتظار وظيفة أو نتيجة اختبار، وإنما تختلف نسبة التحمل والصبر من شخص لآخر على قدر إيمانه وعظم ابتلائه، وكلما زاد الصبر والإيمان كانت العاقبة الحسنة.
لقد علمتني الأيام والأحداث المتعاقبة أهمية التحلي بصفة الصبر ودلت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة على أهمية هذه الصفة النبيلة وعظم أجر المتحلين بها، وهي من الصفات التي تورث الراحة وهدوء البال بعكس من لم يكتسبها أو لم تكن عادةً  له، فتجد من لا يطيق الصبر في توتر دائم وغصب مستمر، وربما أفسد عليه استعجاله وحنقه ما يريد الحصول عليه، فضلاً عن الأضرار التي قد يتسبب بها ذلك الغضب والتوتر والاستعجال ومنها أمراض الضغط والسكر واحتمالية الإصابة بالجلطات وعدم القدرة على السيطرة على الانفعالات أمام الناس، وقد قرأت سابقاً قصةً حدثت لأحد الأشخاص الذين ابتلوا فصبروا، حيث يروى أن رجلاً ليس لديه إلا ولد واحد وتمت الاستعانة بهذا الابن في مهمة عسكرية وبقي الرجل وحيداً فجاء الناس لمواساته فقال: الحمد لله، وبعد مدة أصيب الابن بإصابة بليغة نتج عن كسورٌ في جسمه فحضر الناس لمواساته فقال: الحمد الله، ثم عاد الابن بعد إصابته إلى المنزل وبعد فترة من الزمن هجمت قوات عسكرية على القرية التي يسكنونها فأسروا النساء والشبان لكنهم تركوا ذلك الشاب الكسير وعائلته؛ لوجود شخص مصاب بينهم، فأدرك الناس قيمة الصبر وإيمان الرجل وتمنوا لو أنهم مكانه.
يقول ابن القيم رحمه الله: “قد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة، فلا فرحة لمن لا هم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له”.

عبدالله محمود غلمان
مستشار قضائي لعدة مكاتب محاماه منها:-
 (مجموعة الباتل للمحاماة والاستشارات القضائية)
(مكتب المحامي عبدالهادي المشهوري للمحاماة والإستشارات القانونية).

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *