التربية والتعليم مهنة من أشرف المهن وأجملها والحمد لله كانت لنا فيها أجمل الذكريات، فقد تتلمذنا على أيدي معلمات فاضلات مخلصات من دول مختلفة قمن بتعليمنا وكان لهن الدور العظيم في تطوير المحافظة، ومن أبرز المعلمات المعلمة الفاضلة أ.”راوية شلبي” (أيقونة العلم والإيمان) التي حضرت إلى المحافظة في بداية تخرجها وأوج حماسها للعطاء والبذل، وكانت برفقة أخيها “محمد” الذي درس في محافظة خليص.
وكانت هذه الشابة مع أخيها نموذج راقي جداً للأدب ودماثة الأخلاق وكوّنوا علاقات جميلة في المجتمع وكانوا قدوةً حسنةً لطالبات وشباب المحافظة، بقيت هذه الشابة الجميلة صغيرة السن في المحافظة لمدة سنتين ثم ذهبت إلى مصر وتزوجت وعادت مرة ثانية برفقة زوجها وكأن هذه الأسرة ينطبق عليهم قول الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا).
لقد لقيت هذه الأسرة في المحافظة قبولاً رائعاً ومحبةً في جميع أنحاء المحافظة شيبانًا وشبابًا ونساءًا وكذلك البنات، حيث كانت هذه المعلمة الفاضلة قريبةً جداً من طالباتها ربما لتقارب السن بينهم، وكذلك كان أخوها وزوجها قريبين من شباب المحافظة، وكانوا جميعًا قدوةً جميلة للبذل وحسن الخلق ورقي التعامل وجمال العشرة.
بقيت هذه المعلمة في المحافظة سبع سنوات أنجبت فيها ثلاثة من أطفالها وفي حملها الرابع مرض زوجها وسافر إلى مصر للعلاج وهناك كانت الصدمة فقد توفي زوجها في مصر، وكان وقع وفاته محزن ومؤلم لتلك الشابة، وشارك الجميع هذه المعلمة حزنها لفقد هذا الشاب الخلوق الذي اندمج مع شباب وشيبان وأطفال المحافظة، ثم قاموا بتسهيل أمورها للسفر إلى بلدها ولحسن الحظ بقي عنوان منزلها والهاتف مع طالباتها في دفعة من الدفعات التسع، وتعتبر هذه الدفعة دفعة مميزة ومقربة جداً لدى هذه المعلمة، وبعد سنوات طوال تواصلت معها إحدى طالباتها واستمرت العلاقة بين هذه الطالبة ومعلمتها ثم أخبرت زميلاتها بعنوانها وهاتف منزلها واستمرت العلاقة كل طالبة تتزوج تذهب في رحلة سياحية إلى مصر تذهب إلى هذه المعلمة لتجد كل حفاوه وترحيب.
تم التواصل مع هذه المعلمة حتى شعرت أنه ينطبق عليهم المثل المصري (يا تجينا يا نجيك يانجي لبعض) فلا يمر عام إلا وتذهب إحدى طالباتها إلى مصر وتخبرها بأحوال جميع الطالبات، أو أن المعلمة تقوم بزيارة إلى السعودية وترى جميع طالباتها، والعجيب أن جميع الطالبات في الدفعات التسع يُكنون لها الحب والتقدير ليس طالباتها فقط بل جميع أسرهن، وكانت أختي من الدفعة المقربة لها جدًا، وحين سافرت إلى مصر أنا وبقية أسرتي وجدناها في استقبالنا وقدمت لنا الطعام المصري الشهي الذي تقدمه لنا بمقولتها الشهيرة (صنع بحب)، وكنت أتعجب من عمق العلاقة بينها وبين أختي وحسن استقبالها وحفاوتها بنا جميعاً، وحتى عندما عادت أختي إلى السعودية وبقيت أنا هناك للعلاج لم تتركني بل قامت بزيارتي مراراً وتكراراً وكانت تهتم بعلاجي، ورغم أنى لم أكن من طالباتها ولكنني أحببتها من حب طالباتها لها، وأخبرتها باشتياقي لمعلماتي وخاصة معلمة فاضلة كانت تقوم بتدريس اللغة العربية، وسألتها عن بقية المعلمات في ذلك الوقت أخبرتني أنها متواصلة مع معلمتي الأثيرة إلى قلبي أ.”فاطمة غريب” طلبت منها أن تبلغ سلامي لها وأخذت رقم هاتف معلمتي ولكننا مع عظيم حبنا واحترامنا واقتدائنا بهم إلا أننا لم نتجرأ للتقرب منهم أو معرفة عناوينهم في مصر فقد كانت العلاقة علاقة الطالب بمعلمه دون التدخل في الحياة الأسرية لكل منهما.
وبعد عام قابلت الأستاذة “راوية” وسألتني: هل تواصلت مع معلمتك الحبيبة فأجبتها بـ “لا”!
وأخبرتها أنني لا أستطيع الاتصال بها هيبة وتقديرًا وحدثتها بأنني قد أخبرت أولادي بأن أعظم البر بي أن يسافروا بي إلى معلمتي “فاطمه غريب” وقد أخذت من الأستاذة الفاضلة “راوية” عنوانها وفي إحدى رحلاتي العلاجية إلى مصر فوجئت بزيارة أستاذة “راوية” لي وقد رافقتها أستاذتي “فاطمة غريب” بعد غياب أكثر من 40 عامًا، والله كان هذا العمل منها جميلاً لا ينسى مدى الحياة،، ثم عُدت إلى السعودية وجاءت أستأذتنا في زيارة للسعودية وكانت طالباتها يتنافسن في استضافتها ثم قررنا الاجتماع العام في أماكن عامة تجمعهم كل الدفعات وكنت أحضر هذه الاجتماعات وأسعد برؤيتها واستمتع بأحاديثهن وذكرياتهن الجميلة، وللأسف ليس لي أي ذكريات معها عندما يتحدثن عن ذكرياتهن أسعد معهن وأغبطهن وأشعر بتوافق عجيب بيني وبينها لا أعلم سره، ولكنني كنت أحس برابط يربط بيننا وفي آخر زيارة لها تجرأت وحدثتها كما تحدثها طالباتها فوجدت قلباً دافئاً وأُذنٌ صاغية مما زاد إعجابي بها.
وفي آخر شهر شعبان بشرت طالباتها بأنها ستكون في السعودية ولمدة 25 يوماً وتنافس الجميع لاستضافتها ولكنها أسرت لأختي بأنها ترغب أن تكون في ضيافتي.
كان خبرًا مفرحًا لي وللعائلة جميعاً، وبدأت الاستعداد لاستقبال أجمل وألطف ضيف يمر في بيتي، وكنت أريد استقبالها في المطار ثم تظل في بيتي وتذهب بعد ذلك إلى أحبابها، ولكن المنافسة كانت قوية جدًا وفازت بها حبيبتنا أم رامي فقد استقبلتها في المطار وأخذتها إلى بيتها في خليص المحافظة المكتظة بأحباب معلمتنا، وما أن وصلت إلى هناك حتى توالت عليها العروض مابين مكة والمدينة وكلما اقترب موعد وصولها تلقت عرضًا جديدًا لها بزيارةٍ أو عمرةٍ حتى يئست من زيارتها لي.
ولعظيم لطفها وكمال رقيها كانت تستأذن في كل مرة للذهاب مع طالباتها وكنت اسمح بذلك على مضض فأنا لا استطيع المنافسة فلا يوجد لدي سيارة ولاسائق يتنقل بها متى شاءت، وقد أخبرتها بذلك مسبقًا ووافقت أن تكون مستقرة في البيت معي فأنا لا أخرج من بيتي إلا نادرًا، وأخيرًا أتى الفرج وتم إطلاق سراحها من طالباتها لتُنير بيتي وحينما وصلت بيتي أخبرت مسبقًا جاراتي أن معلمة فاضلة ستزورني فإذا انشغلت ولم أرد على مكالماتكن أو الاتصال فمعناه إني مشغولة جدًا مع معلمتي فتعالوا حتى تروها، وفعلاً عندما افتقدوني عزموني أنا ومعلمتي على وجبة السحور في بيت إحدى جارتنا ثم انتقلنا إلى وجبة فطور جماعي عند جاره أختي وبعدها رجعنا إلى بيتنا وحدثت استاذتي بأنني سأتنقل بها في مساجد الحرمين حتى يكتب لها أجر في أماكن متفرقة، وعندما اقتربنا من المنزل طلبت مني أن نصلي في البيت وكان هذا حلما لي استحييت أن أطلبه منها.
مرت الأيام سراعًا وأنا لم أستفد من هذا الكنز الذي لدي ولا أعرف من أين أبدأ وكل من يتصل بي يسألني عن برنامجها اليومي ولم يعلموا بأني لم أتحدث معها بعد لقد كنت في حيرةً كيف أحدثها، ولما أحسست بفوات الوقت واجهتها بقولي أنا لا أعرف قول (حضرتك) ولكنني أكن لك من الحب والتقدير والاحترام ما يفوق معاني هذه الكلمة لديكم فتبسمت قائلة ولو قلتي حضرتك (كنت أخذت شنطتي ومشيت) لأنني سأشعر أنك متكلفة معي وهذا يمنع البقاء معك، وبعدها تقربنا إلى بعضنا أكثر وكسرنا القيود وامتزجت دموعنا وتعالت ضحكاتنا لكن هذا الأسبوع لم يكن خالصاً لي بل شاركني فيه جميع طالباتها يتحدثون معها في تفاصيل دقيقة وهذا الوقت وقتي أنا كان وقتها مرتبًا مباركًا وكتاب الله لا يفارقها تتلوه أناء الليل وأطراف النهار وهذا سر البركة في وقتها مع العلم أنها ملمة بأحداث العالم حولها من خلال شبكات التواصل، حيث كانت تتصل يومياً بأولادها في مصر، وتتصل أيضاً بطالباتها تطمئن عليهن تحل مشاكلهن بل سألتني عن الدفعة الأولى من المعهد وتفاجأت بأنها درست لهن أيضًا وأن دفعتي هي الدفعة الوحيدة التي لم تتلمذ على يدها لسوء حظنا، والعجيب في الأمر أن بعضهن لم يعرفن عنها أي شيء طيلة 45 عامًا، فلما سألتني عن أخبارهن وأرقام هواتفهن طلبت مني التواصل بهن قائلة: “أستاذة راوية عندي في جدة تحب تسمع صوتك” ولا يمكن وصف شعورهن وفرحتهن بذلك التواصل ثم قمن بزيارتها في بيتي ويعلم الله سعادتي بوجودهن ضيوف في بيتي، ولكن هذا الوقت مخصص لي لأدرس كتاب الحياة على يديها فقد حفظت هذا الكتاب في حياة أبي وبعد وفاته درسته دون معلم وقد قيل (من كان معلمه كتابه فخطؤه أكثر من صوابه).
وهذا ماحدث لي في ميادين الحياة فقد واجهت الكثير من العثرات والخيبات التي أحتاج من يوجهني فيها ورتب الله ذلك بزيارة أستاذتنا وكانت فرصة يجب اغتنامها، ولكن المنافسات لقلبها كثيييرة وكانت تميل لهن كثيراً، ومع وجودها معهن لسنوات طوال إلا أنهن رفضن بقاءها معي دون مشاركات باتصالات وزيارات وعروض أخرى لا أجيدها.
إنتهى الأسبوع وكان زادي منها قليلاً جداً، وذلك بسبب بطء فهمي في إدارة الوقت واغتنام الفرص، ودعتها وهي تقول “إنت عاوزه ملحق يابت ياحنان” ثم عكفت على كتاب حياتي لاصحح الأخطاء وأتجاوز العثرات وأمحو الخيبات وأبدلها بآمال مشرقة وكذلك مزقت بعض الأوراق وحولت بعضها للعليم الحكيم ليدبرها بحسن تدبيره.
وأنا الآن أذاكر مجتهدة ليسمح لي (بدخول جامعة راوية للحب والعلم والإيمان والحنان) فطالباتها جميعهن حصلن على مقاعد في هذه الجامعة وأثبتن وجودهن وأثرهن في المجتمع وتبوأن مراكز مرموقة علماً وإيماناً وحباً وحناناً، وأنا اطلعت على هذه المواد ولكنني أحتاج من يوجهني، والآن على حسب فهمي سأقدم أوراقي لهذه الجامعة، وقد أطلب واسطة من الشخصيات المؤثرة على معلمتنا أمثال (أم رامي) وأنتظم بحول الله مع هذه الرفقة المباركة، وسأجتهد حتى أحصل على أعلى المراكز مثل طالباتها الأساسيات.
وفي ختام مقالي دعواتي لأستاذتنا بدوام الصحة والعافية وكل معلماتنا الفاضلات والزميلاتي الجدد والسابقات بدوام التوفيق والنجاح والتميز.
كتبته الطالبة المستجدة في جامعة “راوية”…
حنان سعد المغربي
مقالات سابقة للكاتب