في المعنى(١) “فكر بلا ألفاظ كيف نحيا خارج اللغة”

جرّب أن تفكر دون لغة.

دون أن تعطي للفكرة أي معنى لغوي.

لا تحاول، فلن تنجح، لأن محاولتك ذاتها ستكون مغموسة في اللغة.

فاللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل هي مادة بناء الفكر في العقل، كما أن الخلية هي مادة بناء الأنسجة والأعضاء.

الصوت أحد تجليات اللغة، لكنه ليس جوهرها. نحن لا نحتاج إلى الصوت كي نفكر، بل نحتاج إلى اللغة نفكر بها حتى ونحن صامتون.

أما ما نفعله دون لغة — كاستجابات الخوف، أو جوع الرضيع، أو بحث الحيوان عن الغذاء — فليس فكرًا، بل غريزة. الغريزة تحرّكنا للبقاء، والفكر يحرّكنا للفهم. الغريزة تطوّر أجسادنا، أما الفكر فبفضله نتجاوز الغريزة ذاتها.

لكن، هل نوع اللغة يؤثر في طريقة التفكير؟ أم أن التفكير هو من يصوغ اللغة ويعيد تشكيلها؟ وإن كان شخصٌ يتحدث أكثر من لغة، فما اللغة التي يفكر بها؟ وهل تتغير طريقة تفكيره إذا امتلك لغةً ثانية أو ثالثة؟

اللغة كائنٌ حي، يؤثر ويتأثر. تؤثر في التفكير لأنها مادته الأساسية، كما قررنا سابقًا، وتتأثر من التفكير — لا الفردي فحسب، بل من التفكير الجمعي خصوصًا.

الإنسان يفكر باللغة الأقرب له: لغته الأم غالبًا، أو اللغة التي انغمس بها في مجتمعها حتى صار جزءًا لا يتجزأ منها.

العربي، مثلًا، مولدًا ونشأةً ولغةً، يتقاطع مع أبناء لغته في طرائق التفكير، حتى وإن اختلفوا في المستويات الثقافية والمعرفية. ليست هذه الأفكار دائمًا ظاهرة في السلوك اليومي، بل كثيرًا ما تكون كامنة في العقل الباطن، وتظهر حين يغيب الوعي الضاغط في زلة لسان، أو ردة فعل، أو خاطرٍ عابر. هناك، في لحظة الغفلة، تنكشف الفكرة الخام… ويظهر الفكر في شكله الأول: صافيًا، بلغته الأصل.

وعندما يعجز الإنسان عن التعبير بالكلمات عن شعور أو إحساس بداخله، فذلك ليس عجزًا في اللغة، بل في المفردات. فاللغة أوسع من كلماتها، وأعمق من معجمها. أنت تشعر وتفكر، واللغة حاضرة، لكنك قد لا تملك الأداة المناسبة للتعبير.

لعبة المفردات، ورسم الكلمات في خطابٍ رصين، ليست بالضرورة دليلًا على فكرةٍ سليمة أو لغةٍ صادقة. فالبراعة اللغوية شيء، وامتلاك الفكر شيء آخر.

كثيرًا ما نلاحظ — في قاعات الجامعات أو مجالسنا العادية — شخصًا يحمل شهادة عليا في علمٍ ما، لكنه لا يُحسن الشرح ولا الحديث. فيُساء فهمه، وتُثار الشكوك حول علمه وكفاءته، مع أن ما ينقصه في الحقيقة ليس الفكر، بل أدوات اللغة ومفرداتها.

التعبير عن الفكرة له مستويات عدّة، وكلها تنتمي إلى اللغة. ومن الخطأ أن نظن أن اللغة محصورة في مفرداتها المنطوقة.

فلغة الإشارة عند الصم تجلٍّ واضح، ولغة الجسد — من حركة اليد أو تقاسيم الوجه أو حتى احتقان الدم في الوجنتين — هي لغة مفكَّر بها، متجلية بصدق، دون كلمةٍ واحدة.

اللغة إذًا أوسع من كلماتها، وأغنى من أصواتها. بل لعل الصوت، رغم أهميته، هو أضعف تجليات اللغة صدقًا

اللغة هي سرّ الإنسان، وأساس بشريته وكينونته. بها يفكر، وبها يعبّر. هي صوت صمته الذي لا يهدأ، لا تحدّها كلمات، ولا تعترف بقواعد أو محددات.

تكون خاصّة جدًا حين تنحت المعنى في داخله، وتكون مشاعًا حين تخرج إلى الآخرين في صورة صوتٍ أو كتابةٍ أو انفعال. نظن أننا نصنعها، وفي الحقيقة هي من تصنعنا. نحاول تقعيدها، فإذا بها تسبقنا وتضع القواعد قبل أن نكتبها على الورق.

يقولون: إن الإنسان حيوان ناطق. لكن هذا وصف قاصر. فالإنسان ليس مجرد كائن ناطق، بل كائن يمتلك لغة لا يمتلكها غيره — لغةٌ لا تَصنع الصوت فقط، بل تَصنع الفكر، وتُقيم الوعي.

 

 

مروان عبدالعليم الشيخ

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *