في أحد أحياء المدينة، كان الطفل خالد يجلس أمام هاتفه المحمول، يضحك بجنون على مقطع فيديو يظهر فيه شاب يرتدي زيًا غريبًا ويصرخ وسط الزجاج المكسور، يرقص ويقذف بنفسه في البرك، وكل ذلك من أجل “الترند”. لم يكن ناصر وحده، فالمقطع حصد ملايين المشاهدات في أقل من يوم، وانهالت عليه التعليقات والإعجابات، حتى ظهر في برنامج تلفزيوني يتحدث عن “نجاحه” كمؤثر على منصات التواصل. لم يسأل أحد: ما الرسالة التي حملها ذلك المحتوى؟ وهل يستحق هذا النوع من السلوك أن يكرّم أو يُحتذى به؟
المفارقة أن الذين يتحدثون عن انحدار الذوق العام يوجهون أصابع الاتهام إلى أولئك “المؤثرين التافهين”، ويتجاهلون دورهم كمشاهدين ومشاركين. الحقيقية المؤلمة هي أن هؤلاء لم يصنعوا أنفسهم، بل صُنعوا على أيدي المجتمع الذي احتفى بسخافتهم ورفعهم إلى قمة الشهرة. حين تصبح التصرفات الاستعراضية والعديمة القيمة هي بوابة الوصول إلى “الترند”، فالمشكلة لا تكمن في من يقدمها، بل في من يصفق لها.
إذا أردت قياس وعي مجتمع ما، فلا تنظر إلى نسب التعليم أو التقارير الرسمية، بل انظر إلى أكثر الشخصيات متابعة وتأثيرًا على المنصات. مقياس الوعي اليوم هو نوعية المحتوى التي تتصدر، وعدد المتابعين الذين يلهثون خلف كل جديد، مهما كان فارغًا. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون: لماذا يفعل هؤلاء كل شيء من أجل الشهرة؟ بل يجب أن يكون: لماذا نتابعهم؟ لماذا نمنحهم هذا الزخم؟ وما الذي ينقصنا كي نميز بين المحتوى الحقيقي والزائف؟
الجيل الصغير، مثل ناصر، لا يختار وحده طريق السخافة، بل يُساق إليه لأن البديل غائب. البيت لا يمنحه التوجيه، والمدرسة قد تكون مشغولة بالمناهج أكثر من بناء القيم، والمرافق الحكومية التي من المفترض أن تكون بيئة حاضنة للنمو العقلي والوجداني، غالبًا ما تغيب عن دورها التوعوي والتثقيفي. وفي ظل هذا الفراغ، يصبح “المؤثر التافه” هو المصدر الأبرز للترفيه، وأحيانًا للقدوة.
نحن لا نحارب السخافة بالصراخ عليها، بل نواجهها برفع مستوى الذوق العام، بتقديم محتوى بديل مشوّق وهادف، بدعم المبدعين الحقيقيين، وبإعادة الاعتبار للمعرفة والتفكير النقدي كقيمة عليا. المشكلة ليست في التافه الذي يقفز ويصرخ أمام الكاميرا، بل في الملايين الذين يرونه بطلاً، ويمنحونه سلطة التأثير على الأذهان.
يجب ان نؤمن بأن المجتمعات لا تنهض بما تُشاهده ، بل بما ترفض أن تشاهده.
وكل إعجاب..
كل مشاركة..
وكل ارتويت ..
و كل متابعة..
هي لبنة تضاف في بناء ثقافي نشارك جميعًا في تشكيله. والوعي يبدأ حين نعيد النظر، و ليس في الآخرين فقط، بل في خياراتنا كمستهلكين ومتلقين ومربين ومواطنين.
فايز حميد البشري
مقالات سابقة للكاتب