في مجتمعاتنا العربية، تتربى الأجيال على قيم الكرم وحسن المعشر والحرص على مشاعر الآخرين، وهي بلا شك من الخصال النبيلة التي تميز ثقافتنا. غير أن هذه القيم قد تنقلب أحياناً إلى نقيضها عندما تتحول المجاملة المفرطة إلى قاعدة للتعامل اليومي، بحيث يصبح قول الحقيقة أمراً صعباً، بل وربما مستهجناً.
المجاملة هنا لا تعني اللطف العابر، بل هي أحياناً أقرب إلى “التواطؤ الصامت” الذي يمنع النقد البنّاء ويكبح التطوير. في بيئات العمل مثلاً، قد يخشى الموظف من إبداء ملاحظاته على أداء زميله أو مديره خشية أن يُتهم بقلة الذوق أو التجاوز. وفي الحياة الاجتماعية، قد تُحجب الحقيقة تحت ستار “المحافظة على العلاقات”، لتبقى الأخطاء كما هي بلا تصحيح.
المشكلة لا تكمن في اللطف ذاته، بل في تحوّله إلى ستار يعيق المصارحة. فالمجاملة حين تبتعد عن الصراحة تصبح وصفة مضمونة لتكرار الأخطاء، وتأجيل الحلول، وإبقاء الأوضاع على ما هي عليه.
إذن، ما الحل؟
الحل ليس في الدعوة إلى القسوة أو التجريح، بل في تبنّي ثقافة “الصدق بلباقة”. أي أن نقول الحقيقة بلغة راقية، تحترم الآخر ولا تجرحه، لكنها لا تتخلى عن وضوحها. هنا تتجلى مهارة التعبير عن الرأي: أن نستبدل النقد الفجّ بملاحظات موضوعية، وأن نتحول من توجيه الاتهام إلى تقديم اقتراح.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى نشر ثقافة الحوار الإيجابي في مؤسساتنا التعليمية والعملية، بل وفي الأسرة منذ الصغر. التدريب على فنون التواصل البنّاء، وتشجيع الأفراد على التعبير عن آرائهم بجرأة مسؤولة، يمكن أن يحول “المصارحة اللبقة” إلى عادة اجتماعية صحية.
إن الصراحة لا تعني فقدان الاحترام، تماماً كما أن المجاملة لا تعني التملّق. التوازن بين الاثنين هو الذي يضمن علاقات صادقة، ومجتمعاً قادراً على التطوير المستمر. باختصار، نحن بحاجة إلى أن نتعلم كيف نقول الحقيقة كما هي… ولكن بطريقة تجعل الآخر مستعداً لسماعها.
مشاري الرحيلي
مقالات سابقة للكاتب