استثمار الوقف في خدمة الوطن

تعتبر الأوقاف من أهم المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية في الإسلام، حيث قامت بدور كبير ورائد في خدمة المجتمع وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية في العصور الأولى للإسلام وفي الحديث الشريف عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول صلى الله عليه وسلم: «سبع يجري للعبد أجرهنّ وهو في قبره بعد موته: من عَلّم علماً أو أجرى نهراً أو حفر بئراً أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً أو ورّث مصحفاً أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته » حسنه الألباني.

لقد كانت الأوقاف تقوم بدور جليل في رعاية الحياة الاجتماعية ومساعدة المحتاجين وتقديم الخدمات العامة، مثل: التعليم والعلاج وسكّ الطرق وخدمات المياه والزراعة والصناعة وتحقيق الأمن وخدمة عابري السبيل، وغيرها.

ففي العصر الذهبي للإسلام، شهدت الأوقاف تطورًا كبيرًا في مختلف المجالات، حيث تم إنشاء المدارس والمساجد والمستشفيات والحمامات العامة والطرق والجسور، كما تم شق الأنهار وحفر الآبار وبناية الدور وغيرها من المرافق التي خدمت المجتمع بأسره.

ومن الأمثلة التاريخية الرائعة على ذلك، وقف عين زبيدة وهي بنت أبي جعفر المنصور وزوجة الخليفة هارون الرشيد، حيث أمرت بإنشاء قناة مائية في الطريق بين مشاعر مكة المكرمة لتوفير المياه للحجاج والمعتمرين، كما اشتمل المشروع على توفير برك الماء في الصحراء لقوافل المسافرين ودوابهم.

وفي التاريخ الإسلامي أوقف كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دورهم للسكنى في مكة والمدينة والطائف وغيرها،وتتابع على ذلك خلفاء الإسلام فأوقفوا المساكن للفقراء والخانات ودور الضيافة للمسافرين والمغتربين، ومن الأمثلة على ذلك أمر الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز بعمارة الخانات على طريق الحاجّ في خرسان شرق الدولة الإسلامية.

كما تنوعت صور المساكن الوقفية وتعددت خدماتها وأسماؤها، فكانت الخانات ودور الضيافة للمسافرين والمنقطعين، والربوع وعي التي تبنى بغرض وقفها وتؤجر، والتكايا التي خصصت لمن لا يستطيع التكسب من العجائز وكبار السن والأرامل والأيتام، وغيرها.

وفي العصر الحديث يمكن للأوقاف أن تقوم بدور رائد في خدمة البلد وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وذلك من خلال استثمار أموالها في مشاريع تنموية وخدمية، مثل: التعليم والصحة والبنية التحتية والصناعة والزراعة، كما يمكن للأوقاف المعاصرة أن تقدم خدمات بلدية وسكانية وتعليمية وصحية واجتماعية، مثل:

  • إنشاء المدارس والجامعات وتقديم المنح الدراسية.
  • بناء المستشفيات والمراكز الصحية وتقديم الرعاية الصحية.
  • تطوير البنية التحتية، مثل: الطرق والجسور والمياه والصرف الصحي.
  • إنشاء المساكن الاجتماعية وتوفير السكن اللائق للفقراء والمحتاجين.
  • تقديم المساعدات المالية والغذائية والصحية للمحتاجين.
  • دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتوفير التمويل اللازم لها.
  • بناء الاستراحات وأماكن التنزه سواء داخل الأحياء او في طرق السفر.
  • إنشاء المزارع الوقفية للتنزه والتسلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء.
  • إنشاء محطات التحلية وحفر الآبار وإنشاء البرك في الصحاري للرعاة والبهائم والطيور وغيرها.
  • إنشاء المحميات الطبيعية والمساهمة في برامج مكافحة التصحر والجفاف.
  • توفير سيارات نقل المرضى والعجزة وتسهيل وصولهم للمستشفيات ولقضاء حوائجهم.
  • بناء مراكز العلاج الطبيعي ومكافحة المسكرات والمخدرات والتدخين ومراكز التأهيل وغسيل الكلى وغيرها.
  • إنشاء المقرات للجمعيات الأهلية وتسهيل تقديم خدماتها للمجتمع.

ولتحقيق ذلك، يجب العمل على تطوير الأنظمة والإجراءات التي تيسر عمل الأوقاف وتحقق التمكين والامتيازات للقائمين عليها، كما يجب تسهيل وصول الأوقاف إلى الأماكن العامة وتعزيز الشراكة بين الأوقاف والمؤسسات الحكومية والخاصة.

ولا شك أنه من خلال العمل المشترك والتعاون يمكننا تعزيز دور الأوقاف في خدمة البلد وتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية حتى تكون الأوقاف شريكًا فاعلًا في التنمية الوطنية وقبل ذلك سببا في عمارة الأرض والخلافة فيها كما قال تعالى (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (سورة الأنعام 14).

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *