بينما كنا نتجول في أحد الأسواق بإحدى الدول العربية خلال رحلة عائلية، لفت نظر ابني — كغيره من الأطفال الذين يستمتعـون بقراءة اللوحات — أن الواجهات التجارية هناك تحمل أسماء مدنهم وقراهم ومعالمهم الوطنية. ثم التفت إليّ وقال بدهشة: “بابا… ليش في بلدنا كل المحلات مكتوب عليها أسماء دول ثانية؟”
ذلك السؤال البسيط أشعل في داخلي دهشة أكبر. فواقع الحال يقول إن شوارع المملكة اليوم تعج بأسماء لدول ومدن غير سعودية: “مندي حضرموت”، “مشويات إسطنبول”، “مقهى القاهرة”، “طعمية الشام” وغيرها كثير. وفي الوقت ذاته تغيب تماماً الأسماء التي تعبر عن مناطقنا، محافظاتنا، قرانا وهجرنا، رغم أن المملكة تضم أكثر من أربع عشرة منطقة، ومئات المدن والمعالم التاريخية التي تستحق أن تظهر في واجهاتنا التجارية.
لسنا ضد مشاركة الأشقاء والعمالة الوافدة في الاقتصاد الوطني، فهم جزء من نهضة هذا الوطن. لكن الحقيقة أننا — نحن أصحاب القرار في تسمية محلاتنا — سمحنا بأن تصبح هوية شوارعنا امتداداً لهويات أخرى، حتى عرف أبناؤنا أسماء مدن خارجية مثل مأرب وشبوة وأسيوط وأنقرة ودبي… قبل أن يعرفوا تضاريس وطنهم.
ما يحدث لم تفرضه جهة حكومية ولا بلدية، بل فرضناه نحن حين اخترنا الأسماء الأجنبية على حساب أسماء بلادنا. واليوم، يدق جرس الإنذار: الهوية الوطنية ليست مجرد تراث، بل حضور يومي يجب أن نراه في لوحاتنا وأسواقنا وواجهاتنا.
لذلك، دعوة صادقة لكل تاجر وصاحب مشروع: افتح خريطة وطنك، اختر اسماً من أرضك، واجعل محلك جزءاً من هوية بلدك. فالأجيال القادمة يجب أن تشعر بانتمائها وهي تسير في شوارع وطنها، لا أن تتساءل: أين أسماء مدننا؟
هنا… أضع النقطة الأولى في هذا الموضوع، ولا يزال في ذاكرتي الكثير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أ/ عبدالمحسن الشيخ
مقالات سابقة للكاتب