حين يكون الصدق حياة !!

حين تضيع الحقيقة بين ضجيج الكلمات وصخب الحياة ، وتتشابه الوجوه خلف الأقنعة يصبح الصدق نداءً خافتًا لا يسمعه إلا من أيقظ قلبه وسلمت فطرته من العطب والتشوه.

فالكلمة ليست حروفًا عابرة تقال ، بل موقف ومسؤولية. وقد تكون طريق نجاة أو بداية سقوط مدوي. وحين يختار الإنسان الصدق فإنه لا يختار الطريق الأسهل بل الطريق الأنقى والطريق الذي يمنحه سكينة الروح التي لا تشترى بالمال وعرض الدنيا، وطمأنينة لا تزول مهما صعبت الظروف أو احتدمت المحن.

الصدق في حياتنا ليس فضيلة هامشية بل هو العمود الفقري الذي تستند إليه العلاقات وتقوم عليه الثقة ، فالإنسان قد ينجح بالكذب لحظة لكنه يخسر نفسه على المدى البعيد ، وتعامل العبد مع ربه قبل تعامله مع الناس يحتاج إلى صدق محض لا مجاملة فيه ولا تزييف لأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

تخيل عزيزي القارئ ، عالماً يقوم على الكذب في كل شيء ، كيف ستكون ملامحه ؟! وجوه متعبة وقلوب مرتابة ووعود لا وزن لها. عالم يبدو حيا من الخارج لكنه في الداخل خاوي الروح مأساوي الإحساس لأن الحقيقة فيه غائبة والكلمة فيه فقدت شرفها وانتهكت حرمتها.

وقد سمعت في أحدى المرات الشيخ المهندس محمد المقرمي رحمه الله يختصر دوافع الكذب في أمرين وهي الخوف وعقدة النقص.

فالخائف يهرب من نور الحقيقة وصاحب النقص يحاول أن يكسو نفسه بثوب ليس له لكن الواقع يكشف كل شيء ولو بعد حين.

ولأن صور الكذب كثيرة فإننا نراها في تفاصيل الحياة اليومية ، بائع يخفي عيب سيارته بإصلاحات شكلية حتى تجتاز الفحص فيغش الفحص والمشتري معاً ، وربما يظن أن الأمر بسيط لكنه في ميزان القيم كبير وعظيم الشأن ، وطبيب يكتب دواء وهو غير متيقن من مناسبته وملائمته للمريض ، فيترك خلفه احتمالا لألم طويل أو خطر قادم آتٍ لا محالة، ومعلم لا ينصف في درجات طلابه فيكسر ميزان العدالة ويهوي بالطموح والآمال إلى الحضيض ، وأب يعد أبناءه ثم يخلف وعده فيعلمهم دون قصد أن الكلمة يمكن أن تموت قبل أن تولد!!

ورغم هذا الضجيج الذي ينفثه سموم الكذب في سماء الوجود ، يبقى هناك أناس اختاروا أن يكونوا صادقين حتى لو خسروا بعض المكاسب السريعة، هؤلاء هم الذين يمنحون الحياة معناها الحقيقي ويرفعون بارقة الأمل في الحياة ، لأن الصدق ليس ضعفاً كما يتوهمه البعض ، بل شجاعة داخلية وثبات على المبدأ لا يحيد.

إنهم يثبتون أن الإنسان يستطيع أن يعيش نظيفا من الداخل مهما اتسخ العالم من حوله.

لقد جعل الإسلام الصدق أساسا لكل خلق كريم فبه تحفظ الحقوق وتصان الأرواح وتستقيم المعاملات والله سبحانه لا يحب الكذب والكاذبين وما أقسى أن يكتب الإنسان عند الله كذابا قال تعالى {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا }، وهي آية توقظ القلب وتضع الإنسان أمام مرآة نفسه بلا تزييف أو تزويق.

فالصدق ليس كلمة تقال في لحظة صفاء بل أسلوب حياة يرافق الإنسان في قراراته الصغيرة قبل الكبيرة مدى الحياة ، مهما اختلفت وتباينت الظروف.

إن لحظة صدق قد تنقذ قلبا وتعيد الثقة إلى روح إنسان ولحظة كذب قد تفتح بابا من الظلام لا يغلق ولا يسد بسهولة.

فاختر عزيزي القارئ ، لنفسك الطريق الذي يليق بإنسانيتك واجعل لسانك شاهداً لك لا عليك واجعل صدقك نورا تمشي به بين الناس قبل أن يكون حجة لك يوم تلقى الله في اليوم الآخر.

نوار بن دهري

NawarDehri@gmail.com

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *