في عالمٍ تتسارع فيه الكلمات وتبهت فيه المشاعر، تبقى بعض اللغات أصدق من كل حديث، ومن أعظمها لغة الحضن الصادق. فالأطفال حين يتعانقون لا يسألون عن الأعراف ولا يخشون التأويل؛ إنهم يمارسون فطرةً نقية تُرمّم قلوبهم قبل أجسادهم. يعانق الأخ أخاه، وتحتضن الأخت أخاها، ويتشاركون الأحضان في الفرح والحزن، فيداوون بها جراحًا نفسية قد تعجز الكلمات عن علاجها.
لكننا حين نكبر، تتراجع هذه العفوية تدريجيًا، وتُستبدل أحيانًا بثقافة العيب وسوء الظن، فنضع بيننا وبين المودة مسافات باردة. مع أن للجسد لغاتٍ متعددة، وليس كل حضنٍ ذا طابعٍ خفي أو يحمل نية غير بريئة؛ فالأب حين يحتضن أبناءه — ذكورًا وإناثًا — لا يريد إلا أن يشعروا بالأمان والحب والاحتواء. ورغم ذلك، تختفي الأحضان الدافئة بين الآباء وأبنائهم مع الكبر في أغلب الأسر، فيخاف بعض الآباء من احتضان أبنائهم خوفًا من سوء الظن.
فالاحتواء والحنان يجب أن يشمل كل أفراد الأسرة، ليشعر كل منهم بالأمان والحب، ويُمنع أي شعور بالحرمان أو الانحراف العاطفي.
ضعف الوعي الأسري وقلة الفقه الحقيقي في مقاصد الدين جعلت بعض الناس يخلطون بين البراءة والانحراف، حتى صار التعبير عن الحنان أمرًا مُحرجًا.
ومع ذلك، يبقى الواقع شاهدًا على أن لحظة احتواء قد تداوي آلامًا نفسية عميقة، وأن يدًا توضع على كتف حزين قد تكون أبلغ من آلاف الكلمات. وسؤالي لكل قارئ: هل تحتضن أباك وأمك وأختك وأخاك حين تراهم مثقلين نفسيًا؟ أم تكتفي بالدعم الشفهي فقط؟
تأملوا مشاهد الحياة: طفلةٌ عادت من رحلة علاج طويلة فركضت لتعانق أخاها، فبكى الأخ وبكى من شاهد المشهد. حضنٌ لم يدم إلا ثوانٍ، لكنه حمل سنوات من الحب والطمأنينة. وطفلٌ صغير لا يذهب إلا إلى من يشعر معه بالأمان، يبقى في حضنه لحظات قصيرة لكنها تزرع داخله إحساسًا عميقًا بالاحتواء. وعندما تبكي أختك — مهما كان عمرك وعمرها — وتمرّ بلحظة إنسانية صعبة، هل نملك الشجاعة لنحتضنها كطفلةٍ كبيرة تبحث عن الأمان والحب الطاهر الصادق ؟ الاحتواء ليس عمرًا زمنيًا، بل حاجة فطرية يسكن صداها في القلب؛ فكما تحتاج هي إلى كتفٍ حنون، قد تحتاج أنت أيضًا إلى حضنٍ صادق يعيد لك توازنك واستقرارك العاطفي.
يحكي لي أحدهم قصة قريب له، فقد ابنه، وكان بينه وبين أحد أقاربه خلاف قديم. ويقول لي لقد نصحته أن يذهب لتعزيته، فجلس بجواره ووضع يده على كتفه، فانفجر الأب المكلوم بالبكاء. لم تكن هناك كلمات طويلة، بل كان احتواءٌ صامت أعاد للقلوب إنسانيتها. من منا لا يحتاج إلى الاحتواء والحب الفطريّ العفيف الصادق؟
لو كان الدفء حاضرًا في بيوتنا، هل كانت بعض القلوب ستنحرف بحثًا عن حنانٍ مفقود؟ وهل كان إنسانٌ سيضيع لو وجد في أسرته حضنًا يفهمه قبل أن يحاسبه؟
إن المجتمع لا ينهض بالقوانين وحدها، بل ينهض أيضًا بالمشاعر السليمة وحسن الظن. فلنُعد للأحضان معناها الإنساني النقي، ولنجعل الرحمة لغةً يومية نعيشها قبل أن نتحدث عنها؛ فربما كان حضنٌ صادق أقرب طريقٍ لإصلاح قلبٍ أنهكه الصمت، وإحياء إنسانيةٍ تنتظر من يوقظها بلطفٍ ودفء.
هل تستطيع عزيزي القارئ استعادة براءتك المفقودة لتعم ثقافة الاحتواء؟ البراءة ليست مجرد صفة للأطفال؛ إنها فطرة صافية داخل كل إنسان، ضاعت أحيانًا تحت ثقل التجارب، أو تحت ضغط التقاليد، أو خوفًا من سوء الظن.
استعادة هذه البراءة تعني أن تسمح لنفسك أن تشعر بالحنان، وأن تعطيه للآخرين دون تحفظ، أن تحتضن من تحب، وأن تُظهر الرحمة حتى لو كنت كبيرًا في العمر.
حين نستعيد هذه البراءة، تتحرر القلوب من الخوف والتردد، ويصبح الاحتواء لغة يومية، تُمارس داخل الأسرة وفي المجتمع. بحيث يصبح الحضن ليس مجرد تصرف جسدي، بل رسالة صادقة للسلام الداخلي والإنساني.
الأسئلة التي يمكن أن نسألها أنفسنا: هل أسمح لنفسي بالاحتضان، حتى لو شعرت بالحرج؟ هل أحتوي أبنائي وأحبائي كما كنت أفعل في صغري؟ هل أستطيع أن أكون سببًا في نشر ثقافة الاحتواء والحب بدل القسوة والخوف؟
إن استعادة البراءة ليست مجرد رجوع للطفولة، بل رحلة شجاعة نحو قلبٍ أكثر دفئًا ورحمة، لتصبح حياتنا وأسرنا والمجتمع حولنا أكثر دفئًا وأمانًا.
فلنتذكر دائمًا أن الحضن الصادق والاحتواء ليسا مجرد تصرف جسدي، بل لغة القلوب التي تزرع الحب والأمان في النفوس.
إن استعادة البراءة المفقودة، وممارسة الحنان والرحمة، ليست ضعفًا ولا عيبًا، بل شجاعة حقيقية تعيد للإنسان إنسانيته، وتخلق مجتمعات أكثر دفئًا ورحمة. لنجعل كل حضن فرصة لنغذي بها القلوب الجافة، ولننشر ثقافة الاحتواء، فلا شيء أعظم من أن يشعر الإنسان أنه محبوب ومقبول كما هو، وأن قلبه يجد دائمًا مكانًا آمنا يلتجئ إليه.
نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب