رِسَالَةُ عُذْرٍ وَوَفَاءٍ لِمَنْ غَمَرُونَا بِمَحَبَّتِهِم
إِخْوَتِي وَأَحِبَّتِي، أَصْحَابَ الفَضْلِ وَالمَكَانَةِ العَلِيَّةِ فِي القَلْبِ..
إِنَّ أَجْمَلَ مَا فِي هَذِهِ الحَيَاةِ هُوَ ذَلِكَ النَّسِيجُ المَتِينُ مِنَ العَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ الرَّاقِيَةِ، وَتِلْكَ الوَشَائِجُ الغَالِيَةُ الَّتِي تَرْبِطُنَا بِأَحِبَّةٍ نَعُدُّهُمْ فِي مَسِيرَةِ العُمْرِ مَكْسَبًا حَقِيقِيًّا. وَلَكِنَّ طَبِيعَةَ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبَاتِ الظُّرُوفِ تُجْبِرُنَا أَحْيَانًا عَلَى الوقوفِ بَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي جَمْعِ كُلِّ مَنْ نُحِبُّ، وَبَيْنَ ضِيقِ المَتَاحِ الَّذِي يَفْرِضُهُ الزَّمَانُ وَالمَكَانُ.
لَقَدْ عِشْتُ أُسْبُوعَيْنِ مِنَ القَلَقِ المُتَوَاصِلِ عِنْدَمَا تَقَرَّرَ مَوْعِدُ وَمَكَانُ عَقْدِ قِرَانِ ابْنِي الغَالِي (الدُّكْتُور أَحْمَد) فِي رِحَابِ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ. وَسَعَيْتُ بِكُلِّ مَا أُوتِيتُ مِنْ حِرْصٍ لِاخْتِيَارِ أَفْضَلِ قَاعَةٍ مُمْكِنَةٍ تَتَّسِعُ لِفَيْضِ الأَحِبَّةِ، إِلَّا أَنَّ مَحْدُودِيَّةَ القَاعَاتِ جَعَلَتْنَا أَمَامَ خِيَارَاتٍ ضَيِّقَةٍ جِدًّا، مِمَّا اضْطَرَّنَا لِاخْتِيَارِ عَدَدٍ مَحْدُودٍ ضِمْنَ المَتَاحِ، بَعْدَ مُرَاجَعَةٍ وَتَنْقِيحٍ مُضْنٍ لِلْقَائِمَةِ؛ تَحْقِيقًا لِلتَّوَازُنِ بَيْنَ الوَاجِبِ وَبَيْنَ سَعَةِ المَكَانِ.
وَمِنْ بَابِ المَحَبَّةِ وَالعَتَبِ الرَّقِيقِ، أَقُولُ: إِنَّ “أَدَبَ الِاعْتِذَارِ” عَنِ الحُضُورِ مِمَّنْ وُجِّهَتْ لَهُمُ الدَّعْوَةُ هُوَ خُلُقٌ نَبِيلٌ يُقَدِّرُهُ الدَّاعِي؛ فَالتَّأَخُّرُ فِي تَلْبِيَةِ الدَّعْوَةِ أَوْ عَدَمُ الِاعْتِذَارِ المُسْبَقِ عَنِ الحُضُورِ لِمَنْ لَمْ تُمَكِّنْهُ ظُرُوفُهُ، قَدْ حَرَمَنَا فُرْصَةَ تَوْجِيهِ هَذِهِ المَقَاعِدِ الغَالِيَةِ لِأَحِبَّةٍ آخَرِينَ كَانُوا يَتَمَنَّوْنَ مُشَارَكَتَنَا الفَرْحَةَ وَكُنَّا نَتَمَنَّى حُضُورَهُمْ، وَلَكِنَّ قُيُودَ السَّعَةِ الاستيعَابِيَّةِ لِلْقَاعَةِ حَالَتْ دُونَ ذَلِكَ.
وَمَعَ ذَلِكَ، يَبْقَى الِاعْتِذَارُ وَاجِبًا عَلَيْنَا لِكُلِّ مَنْ فَاتَنَا تَوْجِيهُ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، إِمَّا سَهْوًا بِحُكْمِ البَشَرِيَّةِ أَوْ اضْطِرَارًا بِسَبَبِ ضِيقِ المَكَانِ. وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مَا كَانَ عَنْ تَقْصِيرٍ فِي التَّقْدِيرِ، بَلْ لِأَنَّ السَّعَةَ ضَاقَتْ عَمَّنْ يَتَّسِعُ لَهُمُ القَلْبُ، وَكَانَ القَرَارُ مُكْرَهًا لَا مُخْتَارًا، وَالتَّنْظِيمُ مُلْزِمًا لَا مُيَسَّرًا كَمَا كُنَّا نَأْمُلُ.
إِنَّ عِتَابَكُمُ الرَّقِيقَ وِسَامٌ عَلَى صَدْرِي، وَحُقَّ لَكُمْ العِتَابُ، وَحُقَّ عَلَيْنَا الِاعْتِذَارُ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الفَضْلِ الَّذِينَ تَعْذِرُونَ الكِرَامَ. فَتَقَبَّلُوا اعْتِذَارِي الخَالِصَ، وَلْتَبْقَ المَحَبَّةُ الوَارِفَةُ الَّتِي تَجْمَعُنَا فَوْقَ كُلِّ ظَرْفٍ طَارِئٍ.
اعْتَذِرُ… وَالعُذْرُ لِأَهْلِ الطِّيبِ نُومَاسْ اقْبَلْ اعْتِذَارِي، يَا جَعَلْ كُلّ النَّاسِ يَفْدُونَكْ
وَكَمَا قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: اقْبَلْ مَعَاذِيرَ مَنْ يَأْتِيكَ مُعْتَذِرًا إِنْ بَرَّ عِنْدَكَ فِيمَا قَالَ أَوْ فَجَرَا
وَقَالَ المُتَنَبِّي:
وَأَعْلَمُ أَنِّي إِذَا مَا اعْتَذَرْتُ إِلَيْكَ أَرَادَ اعْتِذَارِيَ اعْتِذَارًا
كَفَرْتُ مَكَارِمَكَ البَاهِرَاتِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنِّي اخْتِيَارًا
أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُدِيمَ بَيْنَنَا حِبَالَ المَوَدَّةِ، وَأَنْ يَجْمَعَنَا دَائِمًا عَلَى الخَيْرِ وَالمَسَرَّاتِ.
أَبُو عَبْدِاللهِ مُحَمَّد المَنْشَاوِي
مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ الاِثْنَيْنِ 28 شَعْبَان 1447هـ المُوَافِقِ 16 فِبْرَايِر 2026م
مقالات سابقة للكاتب