في أحد المجالس العائلية، وقف شاب يسأل بهدوء:
«هل ما زال صندوقنا موجودًا؟»
ساد صمت قصير، قبل أن يجيبه أحد الكبار: «نعم… لكنه للأسف لم يعد كما كان في إمكانياته ودوره».
لم يكن السؤال عن المال، بل عن فكرةٍ نشأت على الثقة، واستمرت بالنية، ثم اصطدمت بتغير الزمن واتساع العائلة وتعدد الأجيال.
لم تعد الصناديق العائلية في المملكة العربية السعودية مجرد مبادرات تقليدية للتكافل داخل نطاق العائلة، بل تحولت تدريجيًا إلى أحد المكونات غير المرئية للاقتصاد الاجتماعي، ورافدٍ محتمل لتعزيز الاستدامة المالية وتقليص الفجوات الاجتماعية. وقد جاء هذا التحول نتيجة تراكم طويل من الممارسة الاجتماعية، قبل أن تفرض التحولات الاقتصادية والاجتماعية الحديثة الحاجة إلى إعادة تأطير مهام هذه الصناديق.
وعلى مدى عقود، انتشرت الصناديق العائلية بأشكال متعددة؛ بعضها اقتصر على جمع اشتراكات شهرية لدعم المحتاجين، وبعضها تطور ليشمل إدارة أوقاف أو أصول استثمارية. غير أن القاسم المشترك بينها كان الاعتماد على الثقة الشخصية والعمل خارج إطار مؤسسي منظم. وكان هذا النموذج مناسبًا في مراحل سابقة، لكنه أصبح أقل قدرة على الاستجابة لتعقيدات الاقتصاد الحديث وتنوع الاحتياجات.
اقتصاديًا، تمتلك هذه الصناديق قدرة كامنة على تجميع المدخرات الصغيرة والمتوسطة وتحويلها إلى موارد قابلة للاستثمار، بدل بقائها مجزأة أو خاملة. كما يمكنها دعم مشاريع عائلية ناشئة، أو تكوين مظلة مالية للطوارئ، بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلي من خلال تحفيز الاستثمار وتقليل الاعتماد على القروض.
أما اجتماعيًا، فهي أداة تكافل متجذرة في الثقافة السعودية؛ تخفف الأعباء، وتحفظ كرامة المستفيدين، وتحد من النزاعات المرتبطة بالمال. غير أن استمرار هذا الدور يتطلب انتقالًا من الثقة المجردة إلى الثقة المدعومة بأنظمة واضحة.
د. فيصل بن غازي الحازمي
مقالات سابقة للكاتب