ليست المعاني الكبرى أفكاراً تُلتقط من الكتب، ولا حِكَماً تُستعار من أفواهِ الآخرين.
فالمعنى الحقيقي لا يُوهَب، بل يُنتزعُ من قلب التجربة.
ثَـمـَّـــةَ أشياء في الحياة يستحيل فهمها عبر الشرح، مهما كان بليغاً، أو عبر النصيحةِ، مهما كانت صادقةً.
هناك مساحات كاملة من الإدراك الإنساني لا تُفتح إلا حين يحتكُّ الإنسان بما يختبره فعلاً، لا بما يسمعه عنه.
المعاناة، على قسوتها، ليست دائماً عبئاً خالصاً… أحياناً تكون أداة كشف.
فالإنسانُ لا يُعيد النظرَ في مسلّماتِهِ حينَ تسيرُ الأمورُ بسلاسة، ولا يُراجِع تصوراتَه عنْ نفسهِ والعالمِ في لحظاتِ الراحةِ.
وحدُها التجارب القاسية تمتلكُ تلكَ القدرة الصامتة على تفكيك الأوهامِ، وإعادةَ ترتيبِ الداخلِ.
وقد لخّص القرآنُ الكريمُ هذا المعنى الإنساني العميق في قولهِ تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد:4)
فالكبدُ هنا ليس وصفاً للألمِ فحسب، بل توصيفٌ لطبيعةِ الرحلةِ الإنسانيةِ ذاتها؛ رحلةٍ لا يُبنى فيها الوعيُ إلا عبر المكابدةِ، ولا تنضجُ فيها الرؤيةُ إلا عبر الاحتكاكِ.
مَنْ لم يختبر الفقدَ، يبقى فهمُه للتعلُّقِ نظرياً.
ومَنْ لم يُجَرِّب العجزَ، تظلّ رؤيته للقوةِ ناقصةً.
ومَنْ لم يعرف ثِقَلَ الانتظارِ، يصعبُ عليهِ إدراكُ قيمةَ الرجاءِ.
وأيوبُ عليه السلام لم يكنْ ابتلاؤه فقداً عابراً، بل انهياراً شاملاً لكل ما يمكن أن يتكئ عليه الإنسان.
ذهبت الصحةُ، وتبدّدَ المالُ، ورحلَ الأبناءُ، وبقيَ القلبُ وحدهُ في مواجهةِ اختبارٍ يفوقُ الاحتمالَ.
ومع ذلك، لم يتحوّل الألمُ إلى اعتراضٍ، ولا الفقدُ إلى انكسارٍ داخليٍ، بل أصبحَ باباً لمعنى أوسع، يتجاوزُ الحدثَ نفسه.
وهكذا تتكرر الحكاية بأشكالٍ مختلفة:
المعاناة لا تمنحُ الإنسانَ الألمَ وحدَه، بل تمنحه زاوية نظرٍ جديدةً.
تكشِفُ هشاشتَهُ، وتعرِّفه بنفسِهِ بعيداً عَنِ الصُّوَرِ المريحةِ والمثاليةِ التي يحبُّ أَنْ يراهَا.
وِمِنْ هُنا يَتبَدَّى الفارقُ الدقيقُ:
فمَن لا يُعاني… قدَ يَعْرِفْ، لِكْنْ مَنْ يُعاني… يُدركْ.
وَشَتّانَ بينَ مَعرفةٍ تُقالْ، وَمعنى يُعاشْ.
فالمعاني التي تولد مِنَ التجربةِ لا تُشبهُ تلكَ التي تُلتقطُ مِنَ الخارجِ.
إِنَّها أكثرُ رسوخاً، وأعمق أثراً، وأصدقُ اتصالاً بالإنسانِ.
د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
باحث في المصرفية الإسلامية والتمويل
كوالالمبور – 03 رمضان 1447هـ
مقالات سابقة للكاتب