هل تعلم أن كلمةً واحدة قد تغيّر مسار إنسان؟
قد ترفعه إلى سماء الأمل… أو تدفعه إلى هاوية الألم؟
نحن نطلق الكلمات عابرةً، نظنها تمضي كما جاءت، لكنها عند بعض الأرواح ليست عابرة… بل قدَر.
ليست كل الأرواح سواء…
فمنها ما يحتمل العواصف، ومنها ما تؤذيه نسمةٌ قاسية.
وهناك أرواحٌ مقدسة، شفافة، نقية… تؤلمها الكلمة كما يؤلم الجرح الجسد.
وفي بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي علاقاتنا اليومية…
نستخدم الكلمات أكثر مما نستخدم أي أداة أخرى،
ومع ذلك… لا نتعلم كيف نختارها.
يا إلهي… كم هي رقيقة وشفافة تلك الروح.
روحٌ قد تبتسم أمام الناس، لكنها في داخلها تتأثر بأدقّ التفاصيل.
نبرةُ صوتٍ مرتفعة قد تخدش صفاءها، وكلمةٌ عابرةٌ لا يُلقي لها أحدٌ بالًا قد تترك في أعماقها جرحًا لا يندمل سريعًا.
نظرةُ غضبٍ عابرة، أو لفتةٌ تحمل تهكمًا وسخرية، قد تُحزن نفسًا شفيفةً فتنساب دموعها دون استئذان.
فالروح الطيبة ليست ضعيفة، لكنها حسّاسةٌ تجاه القسوة، متعطشةٌ للرفق، ومحتاجةٌ للكلمة الحانية كما تحتاج الأرضُ للمطر.
ولعِظَمِ قيمة الكلمة، أمرنا الله تعالى أن نختار أجملها وأحسنها، فقال سبحانه:
﴿وَقُل لِعِبادي يَقولُوا الَّتي هِيَ أَحسَنُ إِنَّ الشَّيطانَ يَنزَغُ بَينَهُم إِنَّ الشَّيطانَ كانَ لِلإِنسانِ عَدُوًّا مُبينًا﴾.
وقال ﷺ:
«ما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلا شانَه».
فالرفق زينة الأخلاق، وعنوان النبل، وروح التعامل الإنساني الراقي.
ثم تأملوا…
الزواج كلمة…
والطلاق كلمة…
والعهد كلمة…
والهجاء كلمة…
والرضا كلمة…
والسخط كلمة…
والحب كلمة…
والكره كلمة…
فكم من بيوتٍ خُرِّبت بسبب كلمة،
وكم من أخوّةٍ انتهت بسبب كلمة،
وكم من حروبٍ اشتعلت بسبب كلمة،
وكم من نزاعاتٍ خمدت بسبب كلمة.
وقال رسول الله ﷺ:
«وهل يكبُّ الناسَ في النار على وجوههم – أو على مناخرهم – إلا حصائدُ ألسنتهم».
فاللسان ترجمان القلب،
وما يفيض به اللسان إنما هو أثر ما استقر في الجَنان.
وقال تعالى:
﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾
وقال سبحانه:
﴿وَإِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ﴾
فالداء كلمة…
والدواء كلمة.
والهدم كلمة…
والبناء كلمة.
إن مسألة التلطف والتودد في الحديث ليست كماليةً تُمارس عند المزاج، بل هي ضرورةٌ تربوية، وأمانةٌ أخلاقية، ومسؤوليةٌ إنسانية.
فالكلمة الطيبة صدقة، والابتسامة دفء، واللين أمان.
كم من فتاةٍ انحرفت تبحث عن كلمة حنان افتقدتها في بيتها، أو نظرة تقدير لم تجدها في أسرتها.
لا نبرر الخطأ، لكننا نُشير إلى أحد أسبابه؛ حين يسود الجفاء، وتغيب كلمات الحب، تفتش النفس عن نافذةٍ أخرى يدخل منها نسيم العاطفة، حتى وإن كان الطريق موحشًا والنهاية مؤلمة.
فالقلوب لا تعيش بالخبز وحده، بل تعيش بالكلمة الطيبة، وبالاحتواء، وبالإحساس بالأمان.
وحين يُحرَم الإنسان من دفء بيته، قد يبحث عنه خارجًا، فيخسر أكثر مما كسب.
رسالة هذا المقال دعوةٌ صادقة لنشر الحب والسلام في الأسرة، وبين الأصدقاء، وفي محيط العمل، وفي كل علاقةٍ إنسانية.
فلنتخير من الكلام أطيبه، كما يتخير المرء أطايب الثمار.
ولنجعل كلماتنا بلسمًا لا سيفًا، ونورًا لا نارًا.
فلنغرس في نفوس من حولنا بذور الخير، والحب، واللطف، والتودد.
ولنبنِ في علاقاتنا لبنات الاحترام والسعادة، ونؤكد دائمًا على سلامة الروح، فهي أقدس ما نملك وأغلى ما نحفظ.
فرفقًا بالقلوب…
فإنها ليست حجارةً تُرمى، ولا جدرانًا تتحمل الصدمات.
إنها أماناتٌ بين أيدينا،
والكلمات مفاتيح…
إما أن تفتح بها أبواب الرحمة،
أو تغلق بها أبواب القلوب إلى الأبد.
وفي الختام، عزيزي القارئ…
فإن لنا في رسولنا ﷺ القدوة الحسنة؛
إذ زكّاه الله بقوله:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
لقد كان صلى الله عليه وسلم رحيمًا بالصغير والكبير،
لطيفًا في تعامله مع أهله وأصحابه،
بل وحتى مع أعدائه.
كان رفقه منهجًا، ولينه خُلُقًا ثابتًا، وكلمته دواءً قبل أن تكون خطابًا.
فكن — عزيزي القارئ — لطيفًا مع الجميع،
فلكل إنسانٍ معركته الخاصة التي يخوضها في الحياة،
وله تحدياته الصعبة التي لا يعلمها إلا الله.
فكن عونًا له…
ولا تكن عبئًا ثقيلًا على كاهله.
فربّ كلمةٍ تُحيي روحًا،
وربّ كلمةٍ تُميت قلبًا…
وأنت تختار.
نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب