في عزاء جارنا الطيب

رحل في ليلةٍ رمضانيةٍ مباركة، طريّة الضوء، رقيقة النسمات.
وصلنا الخبر، وكان ثقيلاً؛ كأن الزمن توقّف لحظةً لصمتٍ مفاجئ أصابه دون سابق إنذار.

رحل عوض بن محمد الصحفي (أبو عايض)، صديق والدي – رحمه الله رحمةً واسعة – وجارنا الطيب.
رحل وترك لنا حضوره الإنساني، وذاكرةً شفيفة تحمل في طيّاتها حكاياتٍ نابضة بالحياة.

حكاياته ذات تفاصيل لذيذة عن أيام الأوّلين، ينسجها في قصصٍ سردية عجيبة، لتقول للأجيال الجديدة: إن الصدق قوام الأخلاق، وأُسّ الأمانة، وأن الدين إنما هو المعاملة الحسنة، وأن البشاشة والتواضع سبيلنا للعبور نحو قلوب من حولنا.

رحل من كان كلّما لقيته ألفيته يتفحّص وجه كلماتي، وقسمات عباراتي؛ باحثًا بينها وفيها عن والدي، جاره الكريم وصديقه العزيز، لعلّه يعثر على ما يعوّضه فقد صاحبه.

رحماك ربّي! فليس هناك مفردة تحيط بفقد الجار الطيب. فعندما ننفض غبار قبر جارنا الطيب عن أيدينا، يصعد التراب إلى السماء، ثم يرجمنا كأطفالٍ يتامى لا حول لهم ولا قوة؛ حينها ندرك أنّ وحشة الوحدة قد أصابتنا، وأن البيوت بأهلها تحيط بنا من كل جانب.
في العزاء، نحن لا نصافح الناس، بل نصافح الفقد الذي مرّ عبر أيديهم الممتدة لنا، ونعانق في صفحات وجوههم من أثقله تكرار الحزن.

في العزاء، تُرتّب الكراسي بحسب الحزن؛ الأقرب نسبًا، والأكبر سنًا، في المقدمة. هكذا أُريد لهذه الطقوس أن تسير.

وكأنه قُدّر لهؤلاء أن يتقدموا المشهد؛ كأنهم خرائط وجعٍ أقدم، وكأن الزمن انحنى طويلًا عند أسمائهم.

في العزاء، يدرك من أُوتي الحكمة أن الكراسي لم تكن مقاعد، بل سلالم نصعدها فقدًا بعد فقد، وأننا، ونحن نتقدم في أخذ العزاء، نهوي نحو موتٍ ينتظرنا.

في العزاء، يتم دفعنا دفعةً واحدة إلى جهة الحكمة القاسية التي طالما نشيح عنها، ونصفح عن النظر إليها.
في العزاء – من فرط الحزن – نشعر أن ثمّة من تركنا على قارعة الطريق، وجعلنا نتهاوى ونمضي إلى فقدنا بلا دليل.

اللهم اغفر لعبدك عوض بن محمد بن حامد الصحفي (أبو عايض)، وارحمه وثبّته، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
تعازينا لأولاده وأهله وجماعته وجيرانه.

 

سليمان مُسْلِم البلادي
@solimanalbiladi

مقالات سابقة للكاتب

2 تعليق على “في عزاء جارنا الطيب

غير معروف

الله يرحمه رحمة واسعة ويسكنه الفردوس الاعلى مع النبيين والشهداء والصالحين
ومع اصحابه الطيبين في جنات نعيم وعلى سرر متقابلين

نويفعة الصحفي

نص جميل يفيض وفاءً وصدقاً ويختصر معنى الجيرة الطيبة والذكر الحسن رحم الله الفقيد وغفر له وأسكنه فسيح جناته وجعل ما عرف عنه من طيب الخلق وبشاشة الوجه في ميزان حسناته اللهم آنس وحشته في قبره واغفر له وارحمه وألهم أهله الصبر والسلوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *