كان الرجل الخمسيني يقف أمام بوابة الجهة الحكومية كما لو أنه يقف أمام آخر ما تبقى له من صبر. يحمل ملفًا أخضر باهتًا، تآكلت أطرافه من كثرة ما تنقّل بين المكاتب، ووجهه يروي قصة طويلة من الانتظار، من تلك القصص التي لا تُكتب في الصحف لكنها تُقرأ في ملامح الناس.
دخل على المسؤول بعد أن أذن له الحاجب، جلس أمامه كمن يضع آخر ما تبقى له من أمل على طاولة باردة. شرح معاناته، تحدّث عن أطفاله، عن ظروفه، عن إنسانيةٍ كان يظن أنها ستجد صدى في قلب من بيده القرار. استمع المسؤول، هزّ رأسه، ثم كتب بعبارة قصيرة: حسب التعليمات.
خرج الرجل وهو يشعر أن الكلمات الثلاث كانت كفيلة بإعادة معاناته إلى نقطة الصفر، وأن النظام لم يكن المشكلة، بل من اختار أن يختبئ خلفه.
هذه القصة ليست حكاية فرد، بل مرآة لمشهدٍ يعرفه المجتمع جيدًا. فكم من مواطنٍ حمل معاناته إلى مكتب مسؤول، لا ليطلب تجاوزًا غير مشروع، بل ليبحث عن استثناء إنساني يراعي ظرفًا لا يشبه غيره.
ومع ذلك، يجد نفسه أمام مسؤولٍ تقليدي، يكتب بعبارات تحفظية، ويعيد المعاملة إلى مسارها الأول، وكأنه يقول للمواطن: مشكلتك أكبر من جرأتي. هذا النوع من المسؤولين لا ينقصه النظام، بل ينقصه الإحساس بروح النظام، تلك الروح التي تجعل النص وسيلة لا غاية، وتجعل القرار مسؤولية لا عبئًا يُلقى على غيره.
المجتمع يعرف هذا النوع جيدًا؛ يعرف الموظف الذي يكتفي بترديد التعليمات، والمسؤول الذي يظن أن الصلاحيات التي مُنحت له مجرد إطار شكلي لا يُستخدم إلا في أضيق الحدود. يعرف المواطن ذلك الشعور حين يرى أن معاناته تُقابل بعبارة جاهزة، وأن إنسانيته تُختزل في بندٍ لا يحتمل التأويل. يعرف كيف يعود إلى بيته وهو يحمل السؤال ذاته: لماذا يخاف بعض المسؤولين من اتخاذ قرارٍ وُضعوا أصلًا لاتخاذه؟ ولماذا يتحول الكرسي الذي مُنح لهم لخدمة الناس إلى حاجزٍ بينهم وبين الناس؟
لكن الصورة ليست كلها رمادية. ففي مقابل هذا النموذج التقليدي، يبرز نموذج مختلف يعيد للناس ثقتهم بأن المسؤول يمكن أن يكون قريبًا منهم، وأن القرار يمكن أن يكون إنسانيًا دون أن يكون مخالفًا. نموذجٌ تجسّد في سمو أمير منطقة عسير الأمير تركي بن طلال، الذي لم يكتفِ بالجلوس خلف مكتبه، ولم يختبئ خلف الأنظمة، بل نزل إلى الناس، فتح الملفات أمامهم، واجه الحقائق بشفافية، واتخذ القرارات كما لو أنه يقول للجميع: النظام وُجد ليخدم الإنسان، لا ليعطّله. مواقفه التي شاهدها الناس ليست مجرد مشاهد عابرة، بل رسائل واضحة بأن الجرأة الإدارية ليست خروجًا عن النظام، بل هي احترامٌ له، وأن الشفافية ليست استعراضًا، بل هي واجب تجاه الناس.
حين يقف سموه بين المواطنين، يسمع منهم مباشرة، يواجه المشكلات دون تردد، ويستخدم صلاحياته بثقة، يشعر الناس أن المسؤول يمكن أن يكون جزءًا من الحل، وأن الصلاحيات ليست زينة للمكتب، بل مسؤولية تُمارس على الأرض. هذا النموذج جعل المجتمع يدرك أن المشكلة ليست في الأنظمة، بل في من يقرأها قراءة جامدة، وأن روح النظام أوسع من نصّه، وأن الحالات الإنسانية لا تُقاس بالبنود وحدها.
ومع رؤية المملكة 2030، أصبح المواطن أكثر وعيًا بدور المسؤول وأكثر مطالبةً بأن يكون صاحب قرار لا ناقل تعليمات. فالرؤية تقوم على التمكين، وعلى تحسين جودة الحياة، وعلى أن يشعر المواطن بأن المسؤول الذي أمامه قادر على اتخاذ موقف، لا أن يكتفي بعبارة تحفظية تُعيده إلى الدوران في الحلقة ذاتها.
المواطن لا يريد توقيعًا، بل يريد حلًا، ولا ينتظر من المسؤول أن يكرر ما يعرفه مسبقًا من أنظمة، بل أن يستخدم صلاحياته ليضع حدًا لمعاناة قد تطول إن تُركت للروتين.
وهكذا يصبح الفرق واضحًا بين مسؤولٍ يكتب حسب التعليمات ومسؤولٍ يكتب تُنهى معاملته فورًا حين يرى أن الحالة تستحق. الأول يضيف ورقة إلى ملف، والثاني يرفع عبئًا عن إنسان. الأول يكتفي بالحد الأدنى، والثاني يمارس دوره الحقيقي. الأول يختبئ خلف النظام، والثاني يفهم روح النظام. وبين هذا وذاك، يبقى المجتمع هو من يدفع الثمن أو يجني الفائدة.
وفي نهاية المطاف، فإن المسؤول الذي يجلس على كرسيه اليوم ليس مجرد موظف، بل هو ممثل لثقة القيادة، وصوت للإنسانية، وأداة لتحقيق التحول الوطني. والجرأة التي نراها في نماذج مثل سمو أمير منطقة عسير ليست استثناءً، بل هي ما يجب أن يكون عليه كل مسؤول مُكّن ومنح الصلاحيات ليكون جزءًا من رؤية وطنٍ يتقدم بثقة. فالمواطن لا يريد معاملة تُعاد، بل قرارًا يُتخذ، ولا يريد عبارة تحفظية، بل موقفًا واضحًا، ولا يريد نظامًا جامدًا، بل مسؤولًا يدرك أن الإنسانية قبل النظام، وأن النظام بلا روح لا يصنع عدالة.
فايز حميد البشري
مقالات سابقة للكاتب