لعلَّ أجمل نصيحة وُجِّهت لي في كتابة الشعر (حينما كنتُ أظن نفسي قادرًا على القريض) هي إشارة أحمد بخيت إلى أن قراءةَ الشعر ينبغي أن تكون خاتمة ثقافات الشاعر الحقيقي، وعليه أن يبدأ بالاطلاع على التراث والسياسة والعلوم، لكي يرفد قصائده بزخم معرفي، بما يتيح لبنيته الشعرية الانعتاقَ من عالم القولبة، والتشابه، ووقوع الحافر على الحافر، لأن الشاعر الحقيقي استثناء وخصوصية وتفرُّد.
في هذا الإطارِ يحضُرُ الشاعر والباحث السعودي يوسف حسن العارف بوصفه أحدَ الأصواتِ الأدبيَّة التي جمعت بين الكتابة الشعرية والبحث الثقافي والتاريخي. وهذه الخلفية الفكرية تسربت بوضوح إلى شعره، حيث لا تنفصل القصيدة عنده عن الوعيَيْن الحضاري والإنساني.
وتحت هذا المدرَج تأتي تجربة ديوان «الشاعر وV2 الأمم المتحدة»؛ إذ يحاول الشاعر أن يجعل من القصيدة فضاءً للحوار مع العالم، انطلاقًا من التعبير عن الذات. ومن هنا تتحول القصيدة إلى ما يشبه موقفًا أخلاقيًا وفكريًا تجاه القضايا الإنسانية الكبرى.
ولا بد أن نبدأ حديثنا بالكشف عن أن العارف ينتمي إلى جيل من الشعراء الذين أدركوا أن الشعر في العصر الحديث لم يعد معنيًّا فقط بالغزل أو ملازمًا للوصف، ولكنه يتخذهما مطيَّة ليصير أَدْخلَ بمساءلة العالم والتشابك مع مناجاة الضمير الإنساني.
على هذا يشكل عنوان الديوان «الشاعر وV2 الأمم المتحدة» عتبة نصية شديدة الدلالة.
وبذلك يضع الشاعر القارئ منذ البداية أمام مفارقة أساسية: شاعر فرد في مواجهة مؤسسة عالمية ضخمة؛ فالطرف الأول في العنوان هو قليل الحيلة الأديب، وهو رمز الفرد، والضمير، والصوت الحر. أما الطرف الثاني فهو التجيشات الأممية، والأصوات المتعددة، التي تمثل النظام العالمي والمؤسسات الدولية.
يقول الشاعر:
هيِّئ لذاتِك موعدًا تسمو بها.. واعمل على كَسْبِ الرِّهانْ!
هــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمْ حاولوا نَسْــــــفَ الجمـــــــــالِ فما رَأَوْا إلا الدخــــــــــانْ
غيِّرْ ثيابَك كلما أحســــــــــــستَ شيئًا ليــــــــــــــــــــــــــــــس شرطًا أن تراهْ
واكتمْ نبوءتَك الجديـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدةَ ريثما يصفو الزمانْ!!
وما ألطف هذا التلخيص لروح الشعر، حين يصبح باختصار حالة الربكة والطفولية والجنون والثورة ونصف الإدراك، ونصف الوعي، ونصف العمى!
ألم يقل الشاعر:
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده فلم يبقَ إلا صورة اللحم والدّمِ؟!
فأما نصف اللسان عند العارف فهو المقدرة الشعرية، ونصف الفؤاد (العقل والقلب معًا) وهو النصف المسؤول عن ضبط الحركة الكونية، واتخاذ منهاج ومسار في الحياة المعيشة.
ولكي نخلص إلى جوهر هذا الديوان، فلا بدّ أن نعرِّج على دور العنوان في صُنع النص، من خلال عنوان ديوانه التالي: (متوكّئ حزني) حيث يجعل الحزن (الذي هو جنة الشعراء وملجأ كل منتصف مظلوم عصا توكُّؤ وطريقةَ حكْي) ثم يُزيِّل هذا العنوان بـنصوص وقصائد.
لكن في ديوانه الأول: (الشاعر وv2 الأمم المتحدة) أضاف عنوانًا فرعيًّا (شعر). في الثانية هو رجل التراث وفي الأولى ابن العصر الحداثي، أتراه يقول بغير هذين المتجهين، تسقط بوصلة العمل الإبداعي، عينًا على الماضي وأخرى على المستقبل؟!
نتأكد من ذلك حين نرى الإهداء إذ يُهدي العملَيْن للأشخاص أنفسهم تقريبًا وهم الأهل الأحياء منهم والأموات! دلالة على الوفاء، والثبات على المبدأ، وأنه يعمل في ظل مشروع، لا طفرات، أو أحوال (بالتعبير الصوفي)!
ومع أن لديَّ ملاحظةً على فكرة الهوامش في العمل الأدبي، لكن هذا لا يقلل من جمال الجرأة المحسوبة في التعرُّض لموضوع بهذه الجدة والفرادة.
الرمزيات ((الأمم المتحدة))
يُدخِلنا العارف في الإيهام بأن الديوان سياسي، لا سيما أنه يبدأ القصائد بالحديث عن الحقوق المسلوبة مطلقًا، وضياع الشعوب، لكنه سرعان ما ينتقل إلى البحث عن القلب الضائع، ومشاعر المعشوق المبعثرة، ويعود إلى القلب من جديد إلى الغائب الذي يتمنى حضوره!
لا بد أن نستوعب إذن أنه ما قصَدَ إلا المحبوبَ، وأنه حين يقول (إني سموألُها) و(حاتمها) لا يقصد إلا أنه كان مخلصًا وكريمًا معها! ولا يتناص مع غرضية هذه الأسماء!
يتحدث عن الرفاق فيقول:
وادّعَوا أن سَنا الشمسِ سوف يغيبُ..
وما علموا:
أنَّ في الجعبةِ..
والجبةْ..
شمسٌ لا تغيبُ
إنها العرفانية الصوفية (يجعل من نفسه مخلصًا حد الفناء في المحبوب)، ولا ينصُبُ (شمس) وإنما يُحِيلُ المعنى إلى ما يشبه الوقوعَ في طرائق الحلاج الصوفية البرهانية غير الواضحة إلا لمن يملك مقاليد معجمه، لكنه يضع (الجبة والشمس) مبتدأً وخبرًا على التوالي، ليخرج إلى دلالة غير ممجوجة!
ولا بد من النظر إلى الإلهام الصوفي هنا بوصفه حالة من الحالات التعبيرية فقط، الشكلانية في الأغلب، التي تستدعي شهادة المتلقي على فنائه وظلم المحبوبة، وعدم بزوغ شمسها!
لذلك أيضًا حين يقول:
ورأيتُ أنيَ في الكهانة حاذقُ
أتلمَّس الأسرارَ أبتاعُ الأساطيرَ
أستسقي لهاروتَ من نبعِ النبوءاتِ
حتى يستيقن ماروت أني السابقُ
فلا بد النظر إلى الجانب الرمزي بوصفه يدعي على نفسه بالتزييف..
فكأنه يقول مع الشاعر:
أنا إبليس والقديس والترتيب والفوضى!
ويقصد بها أنه قد صار حاملًا في العشق كل صورة، كما حمل يوسف العارف الأسطورة مع الكهانة والسحر. ولذلك أيضًا لا يمكن فهم قوله:
يا رفاقَ البياضِ الذي كُنتُه..
ما الذي حرك الحزنَ في داخلي؟
وقد كنتُ في (أهل مدينَ) ثاوٍ على الخيرْ
لا أعرفُ المسغبةْ؟
كنت في (دارةِ الجودِ) فما أطيبَ الجودَ.. ما أطيبَه!
إلا بالتأكد من أنه يضع نفسه في كل المواضع التاريخية ويلبس كل عباءة ممكنة! وأنه يقصد الحالة النفسية التي تثيرها هذه المواقف الرمزية، وليس حقيقتها التأريخية الضاربة بأطنابها في أرض الزمن!
ولاحظ هنا الـتكرار الفريد الذي يقترب من المصطلح الإنجليزي diacope، حيث يقول:
ما زلتَ مفؤودَ الفؤادِ فلا تقل: بِئْسَ الرفاقُ… فلا رِفَاقْ
أو قوله:
لعينيك يا … لعينيك، أسكبُ نبضَ الحروف.. وترتيلةَ البدءِ.. وكلَّ اشتياقِ المحبين!!
هي نوع من التأكيد، لكن المتصل بالإفادة والإمتاع.
عودةً إلى الرمز:
يفتضح الرمز بعض الشيء حين يقول:
اجعليني كـ(الملاكْ)
كـ(نوبخذ نصَّرْ)
أو كـ(شمشونَ) و(الخضرِ) في عهدِ موسى
أو كـ(جاليليوْ)
واجعليني كـ(حسانَ) و(المتنبي) وكـ(الفيوزآبادي) و(الخليلِ بنِ أحمدَ) مبدعًا
في كل شيءْ
أو (أبي الأسودْ) نقَّط القرآن… احتفى بالنحو.. صار.. رمزًا.
وإذا شئت كـ(أيوب) في صبره.. و(قارون) في ماله و(زرياب) في فنه..
والمدقق في السياق السابق، سوف يصل إلى مفتاح الرمزية في ديوان (فيتو) ليوسف العارف، وهي أنه لا يتخذ هذه الشخصيات التاريخية/ العلمية، وإنما يعكس شخصيتها هي!
فإذا صار نبوخذ صارت له هي (بابل)، ولو أصبح (شمشون) ستصبح هي (معبده) الذي هدمه، وإن كان (الخضر)، فهي موسى الذي سيصحبه دون اعتراض! أو جاليليو فهي الأرض بعلومها، ولو كانت الحسّان فلا شك أنه سيصبح القصيدة المدافعة، أو المتنبي فهي كل مهجو وممدوح!
إن هذه الأقنعة لتعكس تبدلات موقفية لها، وتؤكد أن لعبة الكراسي الموسيقية التي يمارسها معها، تستهدف مراعاة انتباهها، وإشهاد القارئ على جميع محاولاته للانسجام معها انسجام الشيء مع نقيضه، فتصبح هي (فيتو) الشاعر، الرافضة كل محاولات تجسير الهوة بينهما!
ثم يمضي درجة أ كبر فهي ابتلاء أيوب في الصحة، وقارون في المال وزرياب في الفن وسقراط في صوابيته، بما يؤكد أنه يستعطف ويبكي ويُشهد الكون على ممارساتها.
الثنائية إذن (أعني ثنائية هذا الديوان) تنصب على ((هي وهو))
لذلك يقول: (أنتِ وهُمْ)، ويؤكد ذلك بقوله: (لا أنتِ ولاَّدة ولا ابن زيدون أنا)!
فرغم أنه رضي بمناصفتها في الديوان، وفي قلبه، وفي آماله، لكنها لا تستجيب له، وإن استجابت لشعراء (كابن زيدون) أميرات (كولادة)!
هذه المفارقات لا يشك مطلع على الديوان أن يوسف العارف يتقصدها كل حين، وأنه يقتنص الفرصة المواتية من أجل التركيز عليها، فبضدِّها تتمايز الأشياء.
المفارقات
يقول الشاعر:
في الساعات الأولى من صبح قادم أعني:
في الساعات المتأخرة من ليل سابق…
إنها ثنائية الكون والوقت والمعادلات الكيميائية، ولكن المتوقّف عندها، يعرف صدقيتها، فهما (التوقيتان) صورتان معكوستان في مرآة الكون.
اللون الأسود في فوديك علامة عزٍّ
والبسمة بيضاءٌ طلعتُها والروحُ على أمل تتوهَّج
تكون الثنائية هنا في الألوان والحالات، بين الأبيض والأسود، ثم يقتصر على اللون الأسود في الفودين، وهما موطنا اللون الأبيض وأول الشيب.
لمي فؤادك، قد بعثرت أوراقي ولم تعودي قراءاتي وإنشادي
كان فؤادها إذن هو ورق الكتابة، والمفارقة تنعقد هنا بين جمع الفؤاد وتفريق الأوراق.
رمزية الأمم المتحدة إذن هي رمزية مختلفة؛ ذلك أن الأمم المتحدة لا ذِكْر لها إلا في عنوان الديوان والقصيدة، ثم إن القصيدة التي تحوي هذا العنوان لا تقترب من فكرة الأمم المتحدة ولا تذكرها إلا في السطر الأخير:
يوم أسري بي قالت القابلةْ
اخلع قميصك
أنت في وادٍ تدنس بالموبقاتْ
فاحترس: من عيون السابلةْ
هيئ دمك النورَ للخُلوةِ العاجلةْ
تزمَّل بثوب الرياحينِ واعتدلْ يوم تلقاهُ
فالسدرةُ قاب حرفين
من روحِكَ الآفلةْ
هي الإسراء إذن وعودة الغائب “اخلع قميصك” بقصد اليوسفي وهي الطهر إذا العالم كله صار فوضى وإذا التقاه صارت الجنة أقرب))!
فكن أي شيء
أي شيء
سوى شاعر يرفع الفيتو
بوجه الأمم المتحدة!
بذلك تكون الأمم المتحدة إذن الحبيب، لكنها تصلح للانطباق على المجتمع!! الذي يضم القبيلة والعذول وهو في سبيل ذلك كله طفل، كمن يخرج عن الإجماع، ومن ينشق عن أعراف المجتمع متوسلًا ببراءته الأولى وموضع طهره!
ولا يزاوج العارف بين العمود والتفعيلة فحسب، بل يمضي خطوة أخرى لصناعة نصوص سماها نصوصًا وامضة/ مقتصدة وهي قصص قصيرة جدًّا في شكل قصائد تشي بتداخل الأجناس الأدبية.

مقالات سابقة للكاتب