حِينَ تُجَهَّزُ الْمَوَائِدُ، وَتُهَيَّأُ الْوَلَائِمُ، وَتَتَعَدَّدُ الْأَصْنَافُ، وَتُرْفَعُ الْأَكُفُّ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ، وَالْأَمْنُ وَالْأَمَانُ يُحِيطَانِ بِكُلِّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا؛ وَحِينَ نُصَلِّي وَنَصُومُ وَنَذْهَبُ لِلْعَمَلِ أَوِ السُّوقِ أَوِ النُّزْهَةِ وَالْفُسْحَةِ، وَحِينَ نَخْلُدُ إِلَى النَّوْمِ وَالْهُدُوءِ وَالسَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ؛ هَلْ نَتَذَكَّرُ هَذِهِ النِّعْمَةَ وَنَشْكُرُ الْمُنْعِمَ –جَلَّ جَلَالُهُ– عَلَيْهَا؟
وَمِنْ شُكْرِ الْمُنْعِمِ الْمُتَفَضِّلِ الْكَرِيمِ اللَّطِيفِ: أَنْ نَتَذَكَّرَ أَنَّهُ مَعَ تَزَاحُمِ النِّعَمِ، وَتَكَاثُرِ الْخَيْرَاتِ، وَتَوَافُرِ الِاسْتِقْرَارِ وَالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، نَسِيَتِ النُّفُوسُ الْخَوْفَ وَالْوَجَلَ وَالرُّعْبَ وَالرَّهْبَةَ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ وَتَوْفِيقِهِ.
هَلْ تَذَكَّرْتَ –وَأَنْتَ تَرْفُلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ– الْجُنُودَ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَلَا تَصُومُ بَنَادِقُهُمْ، وَيُصَلُّونَ وَلَا تَخْشَعُ أَسْلِحَتُهُمْ، وَيُفْطِرُونَ فِي الْخَنَادِقِ بَيْنَ غُبَارِ النَّارِ وَدُخَانِ الْبَارُودِ؟
• هَلْ عَرَفْتَ قَدْرَهُمْ حِينَ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ حُمَاةً لِلدِّينِ وَالْعِرْضِ وَالنَّفْسِ وَالْوَطَنِ؟
• هَلْ نَفْسُكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ نُفُوسِهِمْ؟ فَنُفُوسُهُمْ بَاعُوهَا لِلَّهِ الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُمْ؛ مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [سورة التوبة: 111].
• هَلْ أَتْعَبْتَ نَفْسَكَ فِي تَفَقُّدِ عِيَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَرِعَايَةِ مَصَالِحِهِمْ؟ عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ:
«مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
• هَلْ شَكَرْتَ فَضْلَهُمْ عَلَيْكَ وَضَمَمْتَهُمْ فِي دُعَائِكَ؟ فَقَدْ قَالَ ﷺ:
«لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ).
حِينَ اشْتَرَيْتَ ثِيَابَ الْعِيدِ وَطِيبَهُ وَحَلْوَاهُ، وَحِينَ وَقَفْتَ فِي التَّرَاوِيحِ وَالْقِيَامِ؛ كَانَ نَقْعُ السَّنَابِكِ، وَغُبَارُ الْآلَاتِ، وَأَزِيزُ الطَّائِرَاتِ شُغْلَهُمْ وَلَذَّتَهُمْ وَحَيَاتَهُمُ الصَّاخِبَةَ. وَكَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَذِكْرُهُمْ ذِكْرَ الْمُقَاوِمِ وَالْمُدَافِعِ.
حِينَ تَنْعَمُ بِكُلِّ الْخِدْمَاتِ الَّتِي تُقَدِّمُهَا الدَّوْلَةُ، وَهُمْ يَحْرُسُونَ الْحُدُودَ وَالثَّكَنَاتِ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تَوَفَّرَ لَكَ –بَعْدَ اللَّهِ– بِتَضْحِيَاتِهِمْ؛ بَلْ آثَرُوا صَخَبَ الْجَبَهَاتِ لِتَنْعَمَ أَنْتَ بِصَمْتِ الرَّاحَةِ، وَتَوَسَّدُوا الرَّمْلَ لِيَكُونَ مَهْدُكَ الْأَمَانَ.
مَلَايِينُ الْمُصَلِّينَ وَالْمُعْتَمِرِينَ وَالزُّوَّارِ مِنْ جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ؛ كَانَ لَكُمْ أَيُّهَا الْجُنُودُ الْمُرَابِطُونَ الْفَضْلُ بَعْدَ اللَّهِ فِي رِعَايَةِ أَمْنِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ، وَكُنْتُمْ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى أَدَاءِ عِبَادَتِهِمْ وَتَيْسِيرِ أُمُورِهِمْ.. إِنَّكُمْ شَمْسُ الدُّنْيَا وَبَدْرُ الْحَيَاةِ.
إِنَّكُمْ فَخْرُ الْبَلَدِ، وَحُمَاةُ بَيْضَةِ الدِّينِ، وَدِرْعُ الْأَمْنِ، وَسِيَاجُ الْأَمَانِ، وَأَهْلُ الْفَضْلِ، وَأَسْيَادُ الشَّجَاعَةِ، وَأَرْبَابُ الْجُودِ؛ فَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ.
وَصَدَقَ الْمُصْطَفَى ﷺ حِينَ قَالَ:
«عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَالِمٍ الشَّلَّاعُ
مقالات سابقة للكاتب