أَيُّهَا الْكَاشِحُ

لَا تَجْعَلِ الصِّلَةَ مُكَافَأَةً، وَالْوَصْلَ مُنَاوَلَةً؛ فَالرَّحِمُ شَأْنُهَا ارْتَفَعَ إِلَى مَكَانٍ لَا يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ إِلَّا عَظِيمٌ، وَلَاذَتْ بِمَكَانٍ لَا يَلُوذُ بِهِ إِلَّا وَاثِقٌ بِالتَّأْيِيدِ؛ حَيْثُ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ:
﴿إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ لَكِ﴾ [رواه البخاري ومسلم].
إِنَّ قَطْعَهَا لَعْنَةٌ وَدَمَارٌ، وَذُلٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَنَقْصٌ فِي الْبَرَكَةِ وَالْعُمْرِ وَالْمَالِ وَالْحَيَاةِ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23].
بَيْنَمَا وَصْلُهَا نَمَاءٌ وَزِيَادَةٌ وَرِبْحٌ وَأَمَانٌ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ:
﴿مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ﴾ [رواه البخاري].
الرَّحِمُ لَهَا حُرُوفُ الرَّحْمَةِ وَحُرُوفُ الرَّاحَةِ، وَهِيَ نُفُوسٌ مُتَوَاصِلَةٌ بِسَبَبٍ مَتِينٍ، وَقَيْدٍ وَثِيقٍ، وَحَبْلٍ شَدِيدٍ. وَقَاطِعُهَا مَتْرُوكٌ، وَمُطَّرَحٌ، وَمَرْدُودٌ؛ سَقَطَتْ عَدَالَتُهُ، فَلَا تَقُومُ لَهُ قَائِمَةٌ؛
﴿لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ﴾ قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ [رواه مسلم].
وَهِيَ أَمَانٌ؛ حَفِظَ اللَّهُ بِهَا الْقُرْبَى، وَشَدَّ بِهَا الْعَضُدَ، وَقَوَّى بِهَا الصُّلْبَ، وَهِيَ عُرْوَةٌ وَمِيثَاقٌ مِنَ الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ وَالْأَخْلَاقِ وَالنُّبْلِ وَالسُّمُوِّ. قَالَ تَعَالَى:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ﴾ [الإسراء: 26]؛ كُلَّ الْحَقِّ، وَكُلَّ الْبِرِّ، وَكُلَّ الرِّبَاطِ.
وَكَمْ مِنْ أَيَّامٍ وَقَبَائِلَ أَفْنَتْهَا الْحُرُوبُ دِفَاعًا عَنْ حَقِّ الْقَرِيبِ، وَذَوْدًا عَنْ حِيَاضِهِ؛ وَكَانَتِ النُّفُوسُ سِيَاجًا وَأَمَانًا، تَدْفَعُ الْمَخَازِيَ وَالْغَرَامَاتِ وَالْآلَامَ عَنْ ذَوِي الرَّحِمِ.
﴿إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ﴾؛ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي زَكَّتْ بِهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا النَّبِيَّ ﷺ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ، فَقَالَتْ:
﴿كَلَّا وَاللَّهِ لا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ…﴾ [رواه البخاري].
تُوحِي هَذِهِ الْجُمْلَةُ بِأَنَّ مَنْ يَصِلُ الرَّحِمَ فِي سَدٍّ مَنِيعٍ وَحَصِينٍ مِنَ الْآفَاتِ وَالشُّرُورِ، وَمِنَ الْخِزْيِ وَالْخُسْرَانِ. وَبِهَا تَخَلَّقَ كِرَامُ النَّاسِ وَأَشْرَافُهُمْ وَأَنْبِيَاؤُهُمْ؛ قَالَ تَعَالَى:
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: 21].
الرَّحِمُ هِيَ الْإِيثَارُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالشَّفَقَةُ، وَالشَّجَاعَةُ، وَالْكَرَمُ، وَالْإِحْسَانُ. لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، كَمَا قَصَّ الْقُرْآنُ:
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 30]، سَنَّ فِي الْإِنْسَانِيَّةِ كُلِّهَا الْقَطِيعَةَ وَالْحِقْدَ وَالْحَسَدَ. وَقَدْ أَمَرَ ﷺ الْمَرْءَ عِنْدَ الْفِتَنِ وَالْخِلَافِ أَنْ يَكُونَ الصَّابِرَ الْمُصْلِحَ، فَقَالَ:
﴿فَكُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ [رواه الترمذي].
وَلَمَّا كَانَ لِلنَّفْسِ حَظُّهَا مِنَ الْأَنَفَةِ، وَالْعِزَّةِ، وَالْغَضَبِ، وَالطَّبْعِ؛ كَانَتِ الصِّلَةُ تَصْعُبُ إِلَّا عَلَى كِرَامِ النَّاسِ.
أَمَّا ذُو الرَّحِمِ الْكَاشِحُ، الَّذِي تُحْسِنُ إِلَيْهِ فَيُسِيءُ، وَتَتَوَدَّدُ إِلَيْهِ فَيَبْغَضُ، وَتَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ فَيَبْعُدُ، وَتَصِلُهُ فَيَقْطَعُ، وَتُكْرِمُهُ فَيَجْحَدُ؛ لَا يَرْضَى عَنْ حَسَنَةٍ، وَلَا يَسْكُتُ عَنْ عَوْرَةٍ؛ فَتَذَكَّرْ أَنَّ:
﴿أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ﴾ [أخرجه ابن خزيمة والطبراني والحاكم]؛ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ وَالْبَذْلَ يَرْفَعُكَ وَيَزِيدُكَ، وَيَحْصُلُ بِهِ تَأْلِيفٌ لِقَلْبِهِ وَتَوَدُّدٌ إِلَيْهِ، كَمَا يَقُولُ الْمُتَنَبِّي:
وَقَيَّدتُ نَفْسي في ذَراكَ مَحَبَّةً … وَمَنْ وَجَدَ الإِحْسانَ قَيداً تَقَيَّدا
فَإِذَا صَبَرْتَ وَوَصَلْتَ وَالْحَالُ هَذِهِ، تَذَكَّرْ قَوْلَ الرَّجُلِ لِلنَّبِيُّ ﷺ: ﴿إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ﴾؛ فَقَالَ لَهُ ﷺ:
﴿لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ﴾ [رواه مسلم].
وَكَفَى بِاللَّهِ عَوْنًا وَظَهِيرًا، وَنِعْمَتِ الْمُكَافَأَةُ وَالتَّأْيِيدُ.
وَمَعَ سُهُولَةِ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ التَّطْبِيقَ شَاقٌّ، لَا يُحْسِنُهُ إِلَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ؛ فَالْوَاصِلُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ بِالْمُكَافِئِ، بَلْ كَمَا قَالَ ﷺ:
﴿لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا﴾ [رواه البخاري].
أَمَّا الشَّيْطَانُ فَالْقَطِيعَةُ طَرِيقُهُ، وَدَرْبُهُ، وَمَكَانُ عَرْشِهِ، وَلَذَّتُهُ فِي لَعِبِهِ وَتَلْبِيسِهِ عَلَى النُّفُوسِ. وَالْوَاصِلُ جَمَعَ كُلَّ أَسْبَابِ الْخَيْرِ؛ أَرْضَى رَبَّهُ، وَأَطَاعَ نَبِيَّهُ، وَقَطَعَ عَلَى الشَّيْطَانِ خُطُوَاتِهِ، وَجَمَعَ شَمْلَ أُسْرَتِهِ وَرَحِمِهِ، وَأَرَاحَ نَفْسَهُ وَمَنْ حَوْلَهُ، وَزَرَعَ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ رُوحًا تُحِبُّهُ وَتَشْتَاقُ إِلَيْهِ.
فَمَاذَا تَنْتَظِرُ؟ فَقَدْ يَدْهَمُكَ الْمَوْتُ، أَوِ الْمَرَضُ، أَوِ الْعَجْزُ؛ وَأَنْتَ بَاعُكَ طَوِيلٌ فِي الْقَطِيعَةِ!
فَإِذَا كُنْتَ الْبَاغِيَ خَسِرْتَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِذَا كُنْتَ مَظْلُومًا خَسِرْتَ ثَوَابَ الصِّلَةِ وَالْعَفْوِ؛
﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22].
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ.
خِتَامًا؛ قَالَ الْمُقَنَّعُ الْكِنْدِيُّ:
وَإِنَّ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي أَبِي … وَبَيْنَ بَنِي عَمِّي لَمُخْتَلِفٌ جِدًّا
فَإِنْ أَكَلُوا لَحْمِي وَفَرْتُ جُسُومَهُمْ … وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ مَجْدًا
وَلَا أَحْمِلُ الْحِقْدَ الْقَدِيمَ عَلَيْهِمُ … وَلَيْسَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مَنْ يَحْمِلُ الْحِقْدَا

مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن سَالِم الشَّلَّاع

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *