في الأسابيع الأخيرة، لم تعد التحركات العسكرية في الشرق الأوسط، ولا سيما في مياه الخليج العربي وبحر العرب، مجرد استعراض روتيني للقوة، أو “رسائل بريد” متبادلة بين واشنطن وطهران كما جرت العادة. ثمة إيقاع مختلف هذه المرة، يتجلى في توقيت صارم وتوزيع محسوب للضغوط؛ فبين المناورات البحرية المكثفة وتسريبات خطط الطوارئ، يبرز تصعيد “جراحي” دقيق، لا يبلغ حد الانفجار، لكنه يُبقي أعصاب المنطقة مشدودة، ويضعها على حافة توتر دائم!
هذا التوتر “المضبوط” لا ينشأ من فراغ، ولا تحركه الصدفة السياسية. ففي هذا المشهد، لا تكمن أهمية إيران في ثقلها الإقليمي فحسب، بل في كونها “ترسًا” حيويًا ضمن ماكينة استراتيجية أكبر، تتقاطع فيها الجغرافيا مع خرائط الطاقة. طهران، في هذا السياق، تمثل نقطة ارتكاز على خطوط الإمداد التي تراهن عليها بكين لتأمين مستقبلها الاقتصادي. ومن هنا، فإن دفع النظام الإيراني نحو حافة الهاوية لا يُعد مجرد ضغط مباشر عليه، بل مناورة تهدف إلى إرباك الحسابات الصينية، ووضع شرايين اقتصاد “التنين” تحت تهديد دائم.
غير أن اختزال المشهد في حدود الشرق الأوسط وحده يُعد قراءة قاصرة. فبالانتقال إلى الجبهة الأوكرانية، يبدو واضحًا أن موسكو قد انخرطت في مستنقع استنزاف طويل الأمد، حيث تصبح كلفة التراجع، مع مرور الوقت، أعلى من كلفة الاستمرار. وتشير قراءة متأنية إلى أن روسيا لم تُترك لتخوض حربها منفردة، بل دُفعت تدريجيًا نحو معركة “تآكل” تستنزف قدراتها الاستراتيجية، وتحدّ من هامش مناورتها في ملفات دولية أخرى، والأهم من ذلك، تُضعف موقعها كشريك مكتمل القوة في معادلات التوازن القادمة مع الصين!
في الخلفية، تتحرك إسرائيل ضمن دور يتجاوز الصخب الإعلامي؛ إذ تسهم الضربات الدقيقة والعمليات الرمادية في إبقاء “الجرح مفتوحًا” مع إيران، بما يفرض على طهران تشتيت مواردها بين جبهات متعددة، ويحول دون التقاط أنفاسها أو التفرغ لترسيخ نفوذها الاستراتيجي بعيدًا عن الضغوط الأمنية المباشرة.
وعند ربط هذه المسارات ببعضها — من مضيق هرمز، مرورًا بأوكرانيا، وصولًا إلى تحركات الظل الإسرائيلية — يتكشف نمط واضح: لا توجد “غرفة عمليات” واحدة تدير المشهد، بقدر ما توجد استراتيجية كبرى تسعى إلى إبقاء الخصوم في حالة انشغال دائم، بما يمنعهم من التفرغ لمواجهة شاملة.
الصين، وإن لم تكن طرفًا عسكريًا مباشرًا، تبقى “الهدف الغائب الحاضر” في تفاصيل هذا المشهد. فاقتصادها، المعتمد على استقرار تدفقات الطاقة عبر ممرات حيوية كـمضيق هرمز، يواجه اليوم حالة من عدم اليقين مرتفعة الكلفة. ولا يقتصر الأمر على الشرق الأوسط؛ ففي فنزويلا، حيث أكبر احتياطيات النفط عالميًا، تتصاعد الضغوط السياسية والقانونية، بما يضيّق الخناق على أحد أبرز البدائل النفطية لبكين خارج نطاق النفوذ الغربي.
اللافت في هذا السياق أن واشنطن لا تتحرك بمنطق “الصدام الوشيك”، بل وفق نهج “الإدارة الاستراتيجية لما قبل الحرب”. فهي لا تندفع نحو مواجهة مباشرة، بل تعتمد سياسة القضم التدريجي للمجالات الحيوية، وإنهاك الخصوم عبر تقييد حركتهم، وإعادة تشكيل البيئة الدولية من حولهم بما يخدم مصالحها بعيدة المدى.
ومع ذلك، يبقى الرهان على “الضبط” محفوفًا بالمخاطر؛ ففي أدبيات الصراعات، ما إن تُطلق الرصاصة الأولى حتى تسقط معظم النظريات، ويصبح الواقع الميداني هو الحاكم الفعلي. وما نشهده اليوم لا يبدو مجرد أزمات عابرة، بل أقرب إلى مخاض عسير يسبق ولادة نظام دولي جديد.
من مياه الخليج إلى بكين، تُرسم ملامح المواجهة ببطء، وعلى نحو تراكمي. وحين تكتمل الصورة وتتضح معالمها، قد نكتشف أن قواعد العالم الذي نعرفه قد تغيّرت بالفعل… دون أن ننتبه!
عبدالله البراق
مقالات سابقة للكاتب