“إن الأمم لا تُقاس بثرواتها ولا بعدد سكانها، بل تُقاس بوعي شبابها وعلو همتهم وقدرتهم على صناعة المستقبل.”
ليست نهضة الأمم وليدة الصدفة، ولا تُبنى الحضارات بكثرة الموارد أو اتساع العمران فحسب ، بل تُبنى أولًا بالإنسان الواعي، وبالشباب الذين يحملون همّ المستقبل في عقولهم وقلوبهم. فالشباب في كل أمة هم طاقة الحياة، ووقود التغيير، وركيزة البناء.
وقد أدرك الإسلام هذه الحقيقة مبكرًا حين وجّه الأنظار إلى قيمة مرحلة الشباب وأهميتها، فجاء في الحديث الشريف:
قال رسول الله ﷺ: “اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك.”
هذا التوجيه النبوي العميق يوضح أن الشباب يملكون ثروة ثمينة لا تتكرر في حياة الإنسان: القوة والصحة والفراغ والوقت. فإذا أحسن الإنسان استثمارها، صنع لنفسه مستقبلًا مشرقًا وترك أثرًا نافعًا في مجتمعه وأمته.
أما إذا ضاعت هذه المرحلة في اللهو والفراغ، فإن الندم يأتي غالبًا متأخرًا حين يكتشف الإنسان أن ما مضى من العمر لا يمكن استرجاعه.
ومن أكثر ما يثير القلق اليوم ما نراه في بعض الشباب: ساعات طويلة تمر في التنقل بين وسائل التواصل الاجتماعي، أو متابعة البرامج الترفيهية بلا هدف واضح. وهنا يكمن الخطر الأكبر: الوقت، أثمن ما يملكه الإنسان، يُهدر دون شعور صاحبه بقيمته. وقد أدى هذا إلى ضعف الطموح وقلة الهمة لدى فئة من الشباب، حتى أصبح البعض يعيش على هامش الحياة بلا أثر يُذكر، غير مدرك للدور الكبير الذي يمكن أن يقوم به في نهضة مجتمعه وأمته.
ويرى المربون والخبراء أن هناك أسبابًا عدة لهذه الظاهرة، أهمها غياب القدوات الصالحة المؤثرة في حياة الشباب، وتأثير بعض وسائل الإعلام التي تقدم نماذج سلبية وسطحية للحياة، إضافة إلى دلال الوالدين الزائد أحيانًا، أو ضعف دور المعلم والأسرة في غرس حب العلم وتنمية الهمة والطموح. كما يشير البعض إلى أن كثيرًا من الأسر تخرج أبناءً متشابهين في ضعف الهمة وضياع الوقت، كأنهم نسخ متكررة من بعضهم بعضًا.
كما يلاحظ أن عددًا من الشباب لا يميلون إلى تحمل المسؤوليات الكبيرة، فيفضلون الوظائف المريحة ويبتعدون عن الأعمال الشاقة، ويعزف البعض عن الزواج خشية ما يترتب عليه من التزامات ومسؤوليات. هذه الممارسات تعكس هشاشة الروح وضعف الطموح، لكنها في الوقت نفسه تنبهنا إلى ضرورة إعادة بناء البيئة التربوية حول الشباب.
إن تحدي العصر ليس اللوم أو الشكوى، بل إعادة بناء منظومة القدوة والتوجيه. فالشاب إذا وجد أمامه نموذجًا ملهمًا، ومعلمًا صادقًا، وأسرة واعية، فإنه غالبًا ما يكتشف طاقته الكامنة ويسعى إلى تحقيق ذاته.
لقد أثبت التاريخ أن الشباب عندما يجدون القدوة والبيئة الصحيحة، يصبحون أداة تغيير حقيقية. وهذا ما يحتاجه شباب اليوم: من يفتح أمامهم الطريق، لا من يغلقه باللوم المستمر.
وفي النهاية، يبقى الشباب الأمل المتجدد لكل أمة، فهم طاقة الحياة ونبض المستقبل. وليس من الحكمة أن نقف عند حدود الشكوى أو نكتفي بترديد اللوم، بل الأجدر بنا أن نبحث عن الطريق الذي يعيد إلى الشباب ثقتهم بأنفسهم وإيمانهم بقدرتهم على التغيير والبناء.
كل شاب يحمل في داخله بذرة خير يمكن أن تنمو وتزدهر إذا وجد من يرعاها بالتوجيه الصادق والقدوة الحسنة. فالكلمة الصادقة قد توقظ همة، والقدوة الصالحة قد تشعل الطموح، والبيئة الواعية قد تصنع إنسانًا يغير مجرى حياته.
ولذلك، فإن مسؤولية صناعة جيل واعٍ وقوي ليست مسؤولية الشباب وحدهم، بل هي مسؤولية الأسرة، والمعلم، والمفكر، والإعلام، وكل من يملك كلمة أو تأثيرًا في المجتمع. فإذا أحسنا غرس القيم، وبعثنا روح الأمل والعمل في نفوس الشباب، فإننا لا نبني أفرادًا ناجحين فحسب، بل نضع لبنات نهضة أمة كاملة.
نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب