هناك أشياء نظنّها تمضي عابرة، كأنها سحابةٌ صيفية لا تمكث طويلًا، نراها ثم ننساها، ونحسب أن أثرها قد تلاشى مع أول انصرافٍ للوقت… لكنها في ميزان الله لا تمضي، ولا تضيع، ولا تُنسى. بل تُكتب، وتُحفظ، وتُخبَّأ في خزائن الغيب، لتعود إلينا يومًا، حين نكون بأمسّ الحاجة إليها.
لن يعود إليك إلا ما كنت تمنحه…
هذه ليست مجرد عبارة تُقال، بل قانون خفي يسري في تفاصيل الحياة، في الكلمات، في المواقف، في النوايا التي لا يراها أحد.
كم من كلمةٍ خرجت منك عفوية، جبرت بها خاطرًا منكسرًا، ولم تلتفت بعدها لما صنعت… لكنها عند الله عظيمة، تُنبت في قلبك يومًا طمأنينة لا تعرف مصدرها، أو فرجًا يأتيك من حيث لا تحتسب.
وكم من موقفٍ سكتّ فيه، رغم قدرتك على الرد، واخترت أن تحفظ كرامتك دون أن تجرح غيرك… كان صمتك حينها رفعة، لا ضعف، وكان ضبطك لنفسك بابًا يُفتح لك في وقتٍ ضاقت فيه الأبواب.
نحن في زحام الحياة ننسى أن لكل فعلٍ صدى، ولكل نيةٍ أثر، حتى تلك التي نُخفيها في صدورنا ولا نبوح بها.
النية الطيبة التي لم تُعلنها، الرحمة التي منحتها دون أن تنتظر مقابلًا، الصبر الذي تحمّلته كي لا تُؤذي أحدًا… كلها تمضي في طريقٍ لا نراه، لكنها لا تضيع.
هناك عدلٌ لا يُدركه استعجالنا، وحكمةٌ لا تفهمها قلوبنا حين تترقب النتائج فورًا.
فنحن نريد أن نرى أثر الخير الذي نقدّمه حالًا، وأن يُقابل إحساننا بإحسانٍ مباشر… لكن الحقيقة أن بعض العطاءات تحتاج زمنًا لتعود، وربما تعود بشكلٍ مختلف، أو في وقتٍ مختلف، أو حتى من أشخاصٍ لم يخطروا لنا على بال.
كم من معروفٍ قدّمته لشخص، فلم تجده منه، لكنك وجدته في موقفٍ آخر، من قلبٍ آخر، في لحظةٍ كنت فيها على وشك الانكسار.
وكم من أذى كتمته، فحفظك الله من أذى أعظم، دون أن تشعر أن ما نجاك كان صبرك القديم.
الحياة ليست تبادلًا مباشرًا بيننا وبين الناس فقط، بل هي معادلة أوسع، طرفها الأكبر هو الله.
فما تقدّمه اليوم، لا يُقاس بردّ الناس عليه، بل بما يُدّخر لك عند الله، وما يُعاد إليك في الوقت الذي يختاره لك، لا الذي تختاره أنت.
لا تندم على طيبةٍ منحتها، حتى وإن أُسيء فهمها.
ولا تتحسر على موقفٍ سامحت فيه، حتى وإن لم يُقدَّر.
ولا تظن أن صبرك ذهب سدى، أو أن نيتك الطيبة لم تجد طريقها… فكل ذلك محفوظ، وكل ذلك سيعود، ولكن حين يشاء الله، وبالصورة التي يعلم أنها الأنسب لك.
كن كريمًا في عطاءك، واسعًا في رحمتك، صادقًا في نيتك، جميلًا في كلماتك… لا لأن الناس يستحقون دائمًا، بل لأنك أنت تستحق أن يعود إليك هذا الجمال.
فإن القلوب التي تعوّدت أن تعطي، لا تُفلس،
والأرواح التي تزرع الخير، لا تحصد إلا طيبًا، ولو بعد حين.
وفي نهاية الطريق…
حين تلتفت إلى حياتك، ستدرك أن كل ما ظننته ضاع، كان في الحقيقة يُعاد ترتيبه ليعود إليك بشكلٍ أجمل، وألطف، وأبقى.
لن يعود إليك إلا ما كنت تمنحه…
فاجعل ما تمنحه نورًا، ليعود إليك نورًا،
واجعل ما تمنحه رحمة، ليغمر الله أيامك بالرحمة،
واجعل ما تمنحه صدقًا، لتجد الصدق يحيط بك من حيث لا تدري.
فالحياة، وإن بدت فوضى في أعيننا،
إلا أنها عند الله… أدقّ من أن يُهمل فيها معروف،
وأعدل من أن يُنسى فيها أثر
محمود محمد
مقالات سابقة للكاتب