بريدة صانعة محتوى

عبارة أطلقها الدكتور عبد الرحمن المشيقح المفكر والمثقف ورجل الأعمال، وعضو مجلس الشورى السعودي السابق وصاحب الجوائز الثقافية الرفيعة، وامتلك حقوقها الفكرية، في معرض حديثه عن مسقط رأسه مدينة العلم والثقافة والإبداع والخير والنماء، التي لها في قلبه مكانة خاصة، ففي لحظةٍ من لحظات الوعي الثقافي الناضج، حيث التقاء الفكر بالتجربة والقول بالرؤية، أطلقها حتى أصبحت ماركة مسجلة باسمه، عبارةً تُعدّ جوهرةً في وجدان الذاكرة الوطنية: “إن بريدة صانعة محتوى.” ليست هذه الكلمات مجرّد وصف عابر، بل شهادةٌ عميقة تختزل مسيرة مدينةٍ عريقة، نابضةٍ بالحياة الفكرية والاقتصادية والحضارية، فهي تعبّر عن تعدّد الأفكار والمشارب وتجدّدها الدائم، كما يُعبّر عنها صاحبها الذي خبر المدينة عن قرب وشهد إشراقتها، تلك المدينة التي تميزت بتنوع محتواها الفكري والثقافي والاجتماعي، فدائما ما تبهر العالم بكل جديد.

قالها الدكتور المشيقح في حديث له في دار النفاس والمخطوطات ببريدة للعناية بالتراث الثقافي، وفي كل مناسبة يأتي فيها ذكر تلك المدينة الغالية: “إن بريدة صانعة محتوى.” تناقلها الجميع على لسانه، فتحدث الدكتور خالد الشريدة أستاذ علم الاجتماع في منتدى العمري الثقافي عن تلك العبارة وأشاد بعناية الاختيار، وكذلك الشيخ عبدالله العيادة في ندوة ثقافية له في مقهى باش عن توفيق الدكتور عبدالرحمن في الاختيار والتوصيف، وها هو الأديب والمثقف الأستاذ إبراهيم الماجد يؤكد عليها في مناسبة تكريم الرواد وتوليد الافكار قائلا: “الدكتور عبدالرحمن المشيقح رجل الثقافة والاعمال والشورى السابق، وصاحب الجوائز الثقافية الأشهر على مستوى المنطقة قال كلمة ذات دلالة بالغة قال: إن بريدة صانعة محتوى، هذه الكلمة اعتبرها ذات أبعاد مختلفة، فصناعة المحتوى تعني تعدد الافكار والمشارب وتجديدها، وبريدة كما قال الدكتور هي كذلك، فقد خبرها، فهي بما تملكه من ثقافة فكرية واقتصادية وتجارية تعد برجالها مدرسة مهمة في كافة مناحي الحياة.

 إن “صناعة المحتوى”، في أبعادها الشاملة، ليست قاصرةً على الإنتاج الرقمي أو الإعلامي المعاصر، بل هي فعلٌ إنسانيّ أصيل ينبثق من أعماق الروح الجماعية، يُبدع الأفكار قبل اللفظ، ويبني الجسور بين الماضي الغنيّ والمستقبل الواعد، بريدة كما رسمها الدكتور المشيقح، هي تجسيدٌ حيّ لهذا المفهوم؛ فهي تصنع الفكر في مجالسها، وتربّي الذوق في أسواقها، وتُبدع في مهرجاناتها. تتعدّد فيها الأصوات دون تشتّت، وتنوّع المشارب دون انفصال عن الجذور، لتغدو مدرسةً حيّةً في صناعة المحتوى بأرقى معانيه الثقافية والاقتصادية.

يتجلّى هذا الإبداع في سجلّ الجوائز الذي يزيّن جبين بريدة، فهي ليست هامشًا في تاريخ الوطن، بل مركز إشعاعٍ حضاريّ يُكرّم بعالميّته. فقد سُجِّلتْ واحة بريدة كأكبر واحة من صنع الإنسان في موسوعة غينيس للأرقام القياسيّة، شاهداً على عبقرية رجالها في استلاب الطبيعة وإنمائها بأيدٍ مبدعة، مُحوِّلةً الصحراءَ إلى جنّةٍ خضراء تمتدُّ على مساحات شاسعة. كما أثبتت بريدة تفوقها العالمي في مؤشرات اليونسكو، فحصدت مقعدًا في شبكة المدن المبدعة عالميًا في فنون الثقافة والتراث، كأوّل مدينةٍ خليجيّة وثاني عربيّة عام 2021م، مُكرِّمةً تراثها الغذائيّ الغنيّ بالتمور والحرف اليدوية. وتم اختيارها من الأمم المتحدة كأفضل مدينة في الشرق الأوسط، جاذبةً للعيش والعمل.

وفي ذروة الإبداع، حازتْ شهادة غينيس متفوقة على ولاية كلورادو الأمريكية كونها تمتلك أكبر مستشفى للإبل والطب البيطري في العالم، شاهداً على الريادة في الرعاية الحيوانية والزراعية.

وفيها أكبر مزرعة تمور في العالم، وحازت على شهادة غينيس العالمية عام 2005م تؤكّد امتلاكها أكبر مزرعة نخيل تحتوي لوحدها على أكثر من 45 نوعًا من التمور الفاخرة – إلى العنب والتين والفراولة والقرع والرمان، وغيرها مما يعلمه الجميع، ويزيد على ذلك فعاليات في المهن والصناعات الحرفية التي جعلت من الأسر المنتجة في المنطقة علامة فارقة في ساحة الوطن كله. كما سُجِّلَ أكبر كرنفال للتمور في العالم في مدينة التمور ببريدة، بعد نجاحٍ باهرٍ لمهرجان التمور الدوليّ الذي حوَّلَها مقصداً سياحيّاً عالميّاً يجمع بين التراث والحداثة. إلى جانب ذلك، تفوّقتْ في جائزة أفضل المواقع السياحيّة عام 2015م من جوائز التميّز السياحيّ السعوديّ، وارتبطتْ بـجائزة القصيم للتميّز والإبداع، مع جوائز للمبدعين والمتفوقين والعمل الخيري وشقائق الرجال والشاب العصامي والمزارع النموذجية، وجوائز التميّز في المنطقة وعلى مستوى المملكة، يكثر عِدَّها ويصعب حصرها، كلُّها تؤكّد لغة التحفيّز التي تنتهجها إمارة التنميّة.

هذه المدينة المباركة غنيّة بمساهماتهم منذ التاريخ، حيث جاب رجالاتها الآفاق وبنوا علاقاتهم وتجاراتهم من خلال رجال العقيلات الذين كانوا لهم دور كبير في معارك التوحيد مع الملك المؤسس طيب الله ثراه، ثم هي سلّة غذاء وطنيّة وتملك أكبر سوق في العالم للتمور والأنعام؛ فالعالميّة ليست جديدة في تاريخها. رجال بريدة هم عماد هذه الصناعة؛ حملوا الفكر كما حملوا المسؤوليّة، فكان منهم العالمُ والقاضي، ورائدُ الأعمال والمثقّفُ، ينحتون معًا صورةَ المدينةِ في الوجدانِ الوطنيّ.

كل هذا الإبداع والتميز في ظل ما تنعم به من رعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-.

وكلمة الدكتور المشيقح جاءت خلاصة تجربة ومشاهدة، تنطق بلغة الخبرة، وتشير إلى أن الثقافة لا تقاس بكثرة المؤلفات وحدها، بل بعمق الروح التي تنتجها المدينة وتزرعها في ابنائها. ما بين فكر يكتب وتجربة تعاش، تظل بريدة “صانعة محتوى” بمفهوم يتجاوز التقنية إلى جوهر الإنسان الذي يبدع ويجدد ويصنع أثره الهادئ الأبدي. إن هذه الرؤية ترفع من شأن المكان الذي يظل كبيرا برجاله وإبداعهم، وتجعل من كلمة واحدة جسرا بين الفكر والمكان، بين الإنسان وذاكرته، لتؤكد أن بريدة ليست مجرد مدينة، بل فكرة متواصلة تعيد تعريف معنى الثروة الحضارية في كل جيل.

نزار عبدالخالق

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “بريدة صانعة محتوى

Mohamed Tharwat

حفظ الله أهل بريدة خاصة وأهل المملكة عامة من كل مكروه وسوء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *