كانت الفرحة

لم تكن الرحلة من الرياض إلى الخرج مجرد انتقالٍ بين مدينتين، بل كانت عبورًا بين زمنين؛ زمنٍ يحتشد بالذكريات، وآخر يتشكل أمامي على مهل. كان الشوق هو السائق الحقيقي لتلك الرحلة، شوقٌ لا يُقاس بالمسافات، بل يُقاس بعمق العلاقة التي تربطني بصديق العمر العميد خالد المسعود، وبفرحته التي انتظرتها كما لو أنها تخصني.

على الطريق، كانت السماء تكتب قصتها الخاصة؛ رياحٌ تعصف، ومطرٌ يهمي، وعجاجٌ يلوّن الأفق بلونٍ غامض، كأن الطبيعة تحاول أن تختبر صدق الشوق في داخلي. ومع كل هذا الاضطراب، كنت أستمع لصوت اسماعيل مبارك وهو يهمس: “شوق … قلبي كبير… عشقٍ كثير ماله أخير الشوق … هواك أحتاج له أتنفسه… أنا أعشقه هواك” فكان صوته يهدّئ اضطراب الطريق، ويمنح قلبي يقينًا بأن هذه الليلة تستحق كل هذا العناء.

وحين وصلت إلى قاعة الزواج، كانت اللهفة تسبق خطواتي، وكأن قلبي يركض قبل قدميّ. هناك، رأيت العميد خالد، واقفًا وسط الفرح كجبلٍ من الفخر، يحتضن تهاني الحاضرين بابتسامةٍ تختصر سنوات من العطاء. كانت القاعة تضج بالحضور؛ وجوهٌ جاءت من مختلف مناطق المملكة، أقارب وأصدقاء وزملاء عمل، اجتمعوا لأن المحبة التي زرعها هذا الرجل في القلوب أثمرت وفاءً لا يُشترى.

تسللت أصوات العرضة النجدية بين الجموع، شامخةً كهويةٍ لا تتغير، بينما كان الضيوف يشاركون في رقصة الفرح، وتتناثر رائحة القهوة العربية مع الحلويات، في مشهدٍ يعيد تعريف البهجة بطريقتها الأصيلة.

صفوفٌ من المهنئين اصطفت كأنها نهرٌ من التبريكات، يتجه نحو العريس فهد ووالده، فانضممت إليهم، لا كضيفٍ فقط، بل كجزءٍ من الحكاية. حين صافحت فهد، رأيت في عينيه بداية عمرٍ جديد، وحين صافحت والده، شعرت أنني أشارك في تتويج رحلة طويلة من الأبوة.

ثم التقيت بأصدقاء الطفولة والشباب، أولئك الذين حفظوا تفاصيلنا القديمة، وتبادلنا كلماتٍ بسيطة، لكنها كانت ممتلئة بالحنين، كأننا نستعيد أعمارًا مضت في لحظاتٍ خاطفة.

لكن، وكما تبدأ اللحظات الجميلة سريعًا، كان لا بد لها أن تفسح المجال للواقع. تذكّرت اضطراب الطقس، وقررت العودة سريعًا إلى منزلي بالرياض خوفًا من طريقٍ قد لا يرحم.

خرجت من القاعة، وما زالت أصداء الفرح تتردد خلفي، كأنها تلوّح لي بالوداع. في السيارة، صوت محمد عبدة لملأ المسافة بيني وبين الطريق: “في ليلةٍ كنها الليلة عرفتك بسمتي وفجري وليلةٍ زي ذي الليلة وهبتك في الأمل عمري…” فشعرت أن الأغنية لا تُغنّى، بل تُروى… كأنها تعيد صياغة ما عشته قبل قليل، وتسكبه في قلبي على هيئة ذكرى لا تزول.

وهكذا انتهت الليلة، لكنها لم تنتهِ داخلي. بقيت تفاصيلها عالقةً بين نبضاتي؛ ضحكة صديق، نظرة فخر، مصافحة دافئة، وصوتٌ قديم يعانق الحاضر. أدركت أن الفرح الحقيقي لا يُقاس بحجم المناسبة، بل بعمق العلاقات التي تجمعنا، وبالحنين الذي يربطنا بما كنا عليه.

كانت ليلة فرح… لكنها أيضًا كانت ليلة حب، وحنان، وشوق، وحنين. ليلةٌ أعادتني إلى نفسي، وأخبرتني أن بعض الذكريات لا تمضي، بل تسكننا… وتكبر معنا.

د.خالد السرحان

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *