تُعدّ النوادي الأدبية والثقافية من أهم المنابر التي أُنشئت لرعاية المواهب الأدبية واكتشاف المبدعين وإبراز منجزاتهم الفكرية والشعرية، غير أن الواقع الذي يلمسه كثير من الأدباء والشعراء يشير إلى وجود فجوة بين الأهداف المعلنة لهذه المؤسسات وبين ما يتحقق على أرض الواقع، خصوصاً فيما يتعلق بدعم الشعراء المبدعين الذين لم يحظوا بفرص الظهور الإعلامي أو العلاقات التي تفتح لهم أبواب المشاركة والتكريم.
إن الساحة الشعرية تزخر بمواهب متميزة تمتلك القدرة على إثراء المشهد الثقافي بإنتاجها وإبداعها، إلا أن عدداً كبيراً من هؤلاء الشعراء ما زالوا بعيدين عن الأضواء، ليس بسبب ضعف نتاجهم الأدبي، وإنما نتيجة غياب البرامج الفاعلة التي تبحث عن المواهب الحقيقية وتمنحها الفرصة العادلة للظهور. وهنا يبرز الدور المنتظر من النوادي الأدبية في الوصول إلى المبدعين في مختلف المناطق والمحافظات وعدم الاكتفاء بالأسماء المتداولة أو الوجوه المعروفة.
ومن أبرز التحديات التي تؤثر على عدالة الفرص الثقافية ظاهرة المحسوبيات والعلاقات الشخصية التي قد تمنح بعض الأسماء مساحة أكبر من غيرها، الأمر الذي ينعكس سلباً على المبدعين الحقيقيين ويشعرهم بالتهميش والإقصاء. فالإبداع لا ينبغي أن يُقاس بمدى قرب صاحبه من المسؤول أو اللجنة المنظمة، وإنما بجودة العمل الأدبي وقيمته الفنية والثقافية.
إن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى إحباط كثير من المواهب الواعدة، وقد يدفع بعض الشعراء إلى العزوف عن المشاركة أو التوقف عن الإنتاج، وهو ما يمثل خسارة للمشهد الثقافي بأكمله. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تبني معايير واضحة وشفافة في اختيار المشاركين والمتحدثين والمكرمين، مع فتح المجال أمام جميع الأدباء والشعراء للتنافس على أساس الكفاءة والإبداع فقط.
كما أن من واجب النوادي الأدبية أن تطلق مبادرات وبرامج لاكتشاف الشعراء المتميزين في المدن والقرى والهجر، وأن تعمل على توثيق إنتاجهم ونشره وإتاحة المنصات الإعلامية لهم، فالموهبة الحقيقية قد تكون بعيدة عن مراكز القرار الثقافي لكنها قادرة على صناعة أثر كبير متى ما وجدت الدعم والاهتمام.
إن النهوض بالحركة الأدبية لا يتحقق إلا من خلال العدالة وتكافؤ الفرص، والابتعاد عن كل أشكال المحاباة والمحسوبيات، لأن الثقافة رسالة وطنية سامية تهدف إلى خدمة الإبداع ورعاية الموهوبين دون تمييز. وعندما تكون الكلمة الصادقة والموهبة الحقيقية هي معيار التقدير، فإننا سنشهد نهضة ثقافية أكثر ثراءً وإنصافاً لجميع المبدعين.
عبدالله تركي الجعفري العنزي
مقالات سابقة للكاتب