سعادة “الكرسي”

يُحكى أن وكيل وزارة دُعيَ من قِبل إحدى الجهات لإلقاء محاضرة، وحُجزت له تذكرة على درجة رجال الأعمال، وعند وصوله أرض المطار كان في استقباله سيارة فارهة أخذته لأفخم فنادق المدينة، بعدها توجه لإلقاء محاضرته، وأثنائها قُدِّمَت له القهوة في كوبٍ فاخر ، وحينما دارت عجلة الوظيفة وأطاحت به من على كرسيه بعد سنوات، تمت دعوته من جديد، بيد أنه طُلب منه تحمل كافة تكاليف الرحلة وكل ما يترتب عليها!.

العديد من القصص المشابهة تتكرر من حولنا، حيث تكون الحفاوة مقرونة بدوام المنصب، ومع ذلك هناك من غرَّه المنصب وأضله عن سبيل الرشاد في حسن التعامل معه.

من المؤسف أن تجد مسؤولاً لم يتعظ بعد ممن سبقوه، فلا زال هناك من هو مزهواً بذاته، مغتراً بقدراته، وكأني به القائل: أنا ابن جلا وطلاع الثنايا*** متى أضع العمامة تعرفوني .

في دائرته قليل الكلام، عديم الإبتسام، يستهويه التبجيل، ويُنشيه التطبيل ، أما عند دعوته للمناسبات الإجتماعية – بحكم شخصيته الإعتبارية ليس أكثر- فإنه يمشي باختيال، ويتحدث بتعال، وكأن ذلك من حتميات المنصب الملزمة ، وما أن يترك منصبه، ويبدأ انحسار الضوء عنه إلا ويدخل في حالة اكتئاب، وينفض من حوله الأصحاب، فلا لجاه حافظ، ولا لحال من قبله لاحظ.

ينتاب بعض أصحاب المناصب شلل إدراكي يعجز معه استيعاب أن مكانته الإجتماعية مستمدة من منصبه لا مما يقدمه، وأن ما يعيشه عبارة عن وجاهة زائفة تزول بزوال المنصب، فلا يغتر كثيراً بالهالة المصاحبة لحضوره في المحافل، فهي بالأساس لسعادة “الكرسي”، وعليه أن يعي سباق التتابع الذي هو فيه، فقطعاً سيُسلم الراية لمن بعده كما استلمها ممن قبله، لذا من الجميل له استحضاره الدائم لقول الشاعر: أراها وإن كانت تُسِرُّ فإنها***سحابة صيف عن قليل تقشع .

لا ريب أن مِنْ أفراد المجتمع وكياناته الأهلية من هو شريك في تشكيل تلك الشخصية التي تعيش سكرة المنصب وشهوة المكسب، ولا شك أن الدافع النفعي وراء تكريس الثقافة المعتمدة على كيل المديح (التطبيل) لشخص المسؤول؛ بتعظيم أمره، وتضخيم أثره، كونها غالباً ما تأتي أُكلها.

ومن ظريف ما يروى عن “ظاهرة التطبيل” الضاربة جذورها في التاريخ، ما نقله مؤلف “وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان” عن محمد بن عاصم حينما كثرت زلازل مصر في عهد كافور الأخشيدي أنشده قائلاً:
ما زُلزلت مصرُ من كيد ألمّ بها *** لكنها رقصَت من عدلكم طربا .

أيها المسؤول الذي قبلت الثناء المزيف على إنجازات هلامية وصفات وهمية، إعلم إنك تغرُّ نفسك بالمقام الأول .. يقول الأكثم بن صيفي ” حب المدح رأس الضياع”.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه صاحب المنصب هو تكوين إرث يشفع له في دنياه قبل أخراه بعد ترك الكرسي، ولا يكون ذلك إلا بمراعاة الله فيما استرعاه على الرعية، وَحَمْله المسؤولية، يقول الرسول ﷺ: ” كلكم راعي، وكلكم مسئول عن رعيته”.

ومن موجبات مراعاة الله قضاء مصالح الناس وحاجاتهم بعيداً عن المطامع الشخصية والمنافع الفئوية .

ولله الحمد، لا يخلو مجتمع من مسؤولين أنهوا مسيرتهم العملية بعد أن عملوا بلا ضجيج، وأنجزوا بلا أهازيج، كان هاجسهم الوحيد خدمة المجتمع من خلال ما تقلدوه من مناصب، فحفظ لهم المجتمع ما قدموه في ذاكرتهم المستديمة، فهم بحق مثالٌ يحتذى ونبراسٌ يقتدى.

وفي الختام إسمح لي يا صاحب السعادة أن أهمس في أذنك بقول الشاعر:
إن المناصب لا تدوم لأهلها *** إن كنت في شك فأين الأول
فاصنع من الفعل الجميل فضائل *** فإذا عزلت فإنها لا تعزل

سامح عبدالرحيم الصحفي

مقالات سابقة للكاتب

4 تعليق على “سعادة “الكرسي”

فؤاد الحميري.

نصائح ثمينة ..وتشخيص صحيح.

أ.م.أبن عبدالله

مقال رائع يلأمس واقع بعض من تقلد مسؤولةً ما !!!

{ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ }

المسؤول
اين كان درجة مسؤوليتك ….
لا يغرك (صاحب السعادة) ولا تغتر بمن حولك من المتملقين ماسحي الجوخ … اليوم حولك وغداً حول غيرك !!!
عند ما تصحى من غفوتك فلن تجدهم حولك …. لن تجد إلا ما قدمت ؟؟؟؟

دمت ودامت حروفك النيرة … اخي سامح

هلال رمضان

النفوس المطمئنة المتصالحة مع نفسها لا تغيرها المناصب ولا ترفعها الثروة ، غايتها خدمة مجتمعها لا التعالي عليه .

غير معروف

تعبنا من مسح الجوخ لكل من تعين فالمواقع الخدمية والمشكلة مافيه مردود ملموس على الطبيعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *