كم يحتاج الإنسان من الألم ليُهزم؟
كم يحتاج من العجز ليكسر روحه؟
أبو نواف احتمل أربعةً وثلاثين عامًا من الابتلاء… ولم يُهزم.
في هذه الحياة نحن مسافرون، نمضي كالغرباء في محطةٍ قصيرة اسمها الدنيا. نلتقي وجوهًا، ونفارق أخرى، وكلٌّ يحمل زاده ويمضي إلى حيث كُتب له. نمكث قليلًا، نتبادل الضحكات وربما الأحزان، لكن بعض الأرواح لا تمر مرور العابرين، بل تترك أثرًا يبقى ما بقي القلب نابضًا.
ومن بين تلك الأرواح كان صديقي الغالي أبو نواف رحمه الله.
كان زميل دراسة… مرحًا، ضحوكًا، ذكيًا، متفوقًا، خدومًا. كان أجمل ما يكون روحًا وأخلاقًا وحضورًا. في أيام المرحلة الثانوية بقريتي ( معشوقة )كان فارسًا بيننا؛ حاضر النكتة، كريم الطبع، واسع القلب. كنا نضحك معه أكثر مما نضحك، ونرتاح إليه أكثر مما نرتاح.
ثم فجأة… وبدون سابق إنذار… تعرض لحادث مروري نتج عنه أن أصيب بشلل نصفي. لحظة واحدة غيّرت مسار الحياة. خرج من المستشفى مقعدًا، وكأن القدر اختبر فيه معنى الثبات. كانت صدمة تهزّ الجبال، لكنه لم يسمح لها أن تهزّ إيمانه.
أربعةٌ وثلاثون عامًا من الابتلاء… أربعةٌ وثلاثون عامًا من المعاناة. لكنها لم تكن أعوام انكسار، بل أعوام صبرٍ عظيم.
تقبّل قضاء الله برضا واحتساب. أكمل تعليمه، وتزوج، وأنجب. لم يستسلم للمرض، ولم يسمح للإعاقة أن تسلبه إنسانيته أو كرمه أو ضحكته. كان الكرسي جزءًا من جسده، لكنه لم يكن يومًا جزءًا من روحه.
كلما زرته، وجدت روحه الجميلة الطيبة حاضرة تملأ المكان وتسعد من حوله. هو المتعب جسدًا، المبتلى حالًا، لكنه الكريم المضياف، الضحوك، الثابت. كنت أخرج من عنده وقلبي يتقطع ألمًا عليه، بينما هو يخفف عني بابتسامته وكلماته الراضية.
لم يكن يشتكي، ولم يكن يتذمر. كان يقول بلسان حاله: الرضا حياة أخرى. كان نموذجًا يُحتذى، ودرسًا صامتًا في الصبر، ومثالًا حيًا على أن الكرامة لا تُقاس بالجسد، بل بالروح.
وفي أثناء رحلته الطويلة مع المرض تعرض لأكثر من جلطة أفقدته الكلام ولكن لم تسلبه روحه الوثابة العظيمة.

واليوم، وقد ودّعنا إلى الرفيق الأعلى، نحزن لفراقه، لكن في القلب يقين يسكّن الحزن. نؤمن أنه انتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الرحمة، من ألم الجسد إلى راحةٍ لا تعب بعدها. الآن لا كرسي، لا إعاقة، لا ألم، لا معاناة… بل حرية كاملة في رحاب رحمة الله.
وكما يقول الناس: “اللي خلّف ما مات”. وأبو نواف لم يمت في قلوبنا. هو حيٌّ في ذكراه، حيٌّ في ذريته، حيٌّ في كل ابتسامة زرعها، وفي كل قلب تعلّم منه معنى الرضا.
وهنا رسالتان مهمتان تركها لنا أبو نواف أولها لابنه نواف وأخيه… والدكما كان رجلًا يُفتخر به وصبره مدرسة نتعلّم منها. أنتما امتداد ذلك المجد، وحاملا تلك السيرة الطيبة اصبرا واحتسبا واعلما أننا نرى والدكما فيكما.
والرسالة الثانية إلى كل مبتلى !
ليس البلاء ما يهزم الإنسان بل اليأس. ومن صبر انتصر كما انتصر أبو نواف.
رحمك الله يا أبا نواف رحمةً واسعة، وجعل سنوات ابتلائك رفعةً في درجاتك، ونورًا في قبرك، وثقلًا في ميزان حسناتك.
اللهم ارحم أبا نواف رحمةً واسعة، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة، ونقّه من الخطايا كما ينقّى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجمعه مع الصابرين، وارزقه الفردوس الأعلى بلا حساب، واجعل عمله الصبر والابتسامة والرضا له نورًا في قبره وثقلًا في ميزان حسناته. اللهم اجعل ذكراه حيّةً بيننا، وارزق أهله وذريته الصبر والسلوان، وامنحنا القدرة على الاقتداء بصبره وثباته ورضاه. آمين.
نوار بن دهري
NawarDehri@gmail.com
مقالات سابقة للكاتب