الرضا بما قدّر الله هو أحد أرفع مقامات العبودية، إذ يُظهر الشخص يقينه التام بمدبر الكون وقدرته على كل شيء. ذلك الرضا الذي لا يبلغه إلا من كان قلبه مطمئنًا لربه، مفوضًا له أمره، خاليًا من الهموم التي تترتب على التدبير الشخصي، ومستسلمًا لما اختاره الله له. فبينما يرى البعض في البلاء محنة أو شدة، يراه المؤمن فرصة لنمو روحي، وفرصة للرضا الذي ينعكس على سكينة القلب وطمأنينته، وقد قال الله تعالى في محكم تنزيله:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ • لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ (الحديد: 22-23)، ومن هنا، يظهر الفارق الجوهري بين الرضا والسخط. فبينما يؤدي الرضا إلى السلام الداخلي، يفتح السخط بابًا من القلق والاعتراض على مشيئة الله.
في المواقف الصعبة، كثيرًا ما يكون الرضا طريقًا للراحة النفسية التي لا تتحقق إلا بقبول ما قدره الله. إذا فَهم العبد أن البلاء ليس عقابًا؛ بل فرصة للقاء الله، تصبح محطات الألم والمصاعب مجرد تجارب مؤقتة، وفي حديث النبي ﷺ رواه أنس بن مالك، قال: «عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّـهَ – عَزَّ وَجَلَّ – إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ؛ فَمَن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَن سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» [رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني].
هذا الحديث يعكس حقيقة أن البلاء لا يُقاس بما يبدو عليه في الظاهر؛ بل بما يترتب عليه من ثمرات. فمن رضي بقدر الله، وجد نفسه في طريق من الطمأنينة، بينما السخط يزيد الأعباء النفسية ولا يقدم جديدًا، والرضا هو أحد أسرار السعادة الحقيقية في الحياة.
ففي وسط تقلبات الحياة، تظل الحكمة الإلهية هي المعيار الذي ينبغي أن يستند إليه الإنسان في تقبل كل ما يجري حوله. مهما حاولنا شكر الله على نعمه، فإنا لا نفي بحقها، قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّـهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (إبراهيم: 7)
لكن الشكر لا يتوقف عند النعم الظاهرة، بل يمتد إلى الرضا عن كل شيء قدّره الله. إنه تسليم لله في كل تفاصيل الحياة، تسليم يجعل الإنسان يستمد سكينته من اليقين بأن الله لا يقدر إلا ما هو خير. وهذا اليقين هو الذي يمنح الراحة الداخلية التي لا يستطيع المال أو الرفاهية أن يمنحوها؛ لذلك، يبقى الرضا هو المفتاح الذي من خلاله يستطيع الإنسان أن يحقق السلام الداخلي. فإذا استقر في القلب، انعكس ذلك على حياة الفرد بكل جوانبها. والرضا ليس مجرد قبول، بل هو استشعار لرحمة الله وحكمته في كل ما يحدث.
ختامًا، إن الرضا بما كتب الله للعبد هو أعظم درجات السعادة التي يمكن أن يصل إليها. فكما وعد الله سبحانه، من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. لنكن من أهل الرضا، ومن الذين قال الله فيهم: ﴿رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (المائدة: 119)
كتبه الفقير إلى عفو ربه
د. طلال بن عبدالله بن حسن بخش
دكتوراة في المصرفية الإسلامية والتمويل – باحث ومفكر إسلامي
كوالالمبور 7-ربيع الأول – 1447هـ
مقالات سابقة للكاتب