ليس أن تقف.. بل أين تقف؟

كان الرجل يقف عند ضفة النهر كما لو أنه يقف عند حافة وعيه. 

لم يكن الماء يعكس صورته فحسب، بل كان يعكس ما هو أعمق: 

ذلك السؤال الذي يهرب منه الإنسان طوال حياته، السؤال الذي لا يواجهه إلا حين يضيق به الطريق من كل الجهات. 

أدرك أن الحقيقة لا تُرى من موقع واحد..

وأن الإنسان لا يفهم أثره إلا إذا جرّب أن يكون الطرفين معاً.. 

وأن العدالة لا تولد من داخل الذات ما لم تخرج الذات من نفسها أولاً.

بدأ يتخيل نفسه مرؤوساً لرئيسٍ يشبهه، ينتظر كلمة تقدير أو قراراً منصفاً. 

ثم تخيل نفسه عميلاً يقف أمام نافذة الخدمة، يراقب موظفاً يتصرف بالطريقة ذاتها التي يتصرف بها هو. 

كان هذا الانتقال بين المواقع كفيلاً بأن يكشف له ما لم يكن يراه: 

أن الإنسان حين يبقى في موقع القوة طويلاً، يفقد القدرة على رؤية أثر قوته .. 

وحين يبقى في موقع الحكم دائماً، ينسى أن هناك من يقف في موقع المحكوم.

ومع كل خطوة تخيلية كان يعبر بها إلى الضفة الأخرى، كانت تتسع رؤيته. 

رأى نبرة صوته كما يسمعها الآخرون، وحدّة قراراته كما يتلقاها من هم دونه، ورأى ظلالاً كان يلقيها دون أن يشعر. 

 

أدرك أن الرؤية القريبة تخدع، وأن الحقيقة تحتاج إلى مسافة، وأن الإنسان لا يعرف نفسه إلا حين يبتعد عنها قليلاً. 

ومنح نفسه تلك المسافة، فشعر بأن الطريق نحو راحة الضمير بدأ يتشكل، وأن النوم الهادئ ليس هدية مجانية، بل ثمرة عدل داخلي وإيمان صادق بالله وتمسّك بتعاليم الدين وسنة النبي صل الله عليه وسلم.

ثم بدأ يشطر نفسه إلى نصفين: نصفٍ يحاكم ونصفٍ يُحاكم. 

كان هذا الانقسام أشبه بفتح باب ظل مغلقاً لسنوات. 

اكتشف أن معظم قراراته اليومية كانت تُبنى على الاختيار المريح لا العادل، وأنه كثيراً ما فضّل ما ينفعه هو على ما ينصف غيره..

وأنه أساء – دون قصد – إلى أقرب الناس إليه، لا لأنه أراد الإساءة، بل لأن عادة تفضيل الذات أصبحت ردّ فعل تلقائياً لا ينتبه إليه. 

كان يظن أنه يحمي نفسه، لكنه كان في الحقيقة يثقلها.

وتذكّر كم مرة سعى ليكون الأفضل والأهم والأقوى، وكم مرة ظن أن الخير هو ما يحصل عليه هو، لا ما يتقاسمه مع الآخرين. 

امتلأت نفسه بحب ذاته حتى صار هذا الحب ظلاً ثقيلاً يحجب عنه رؤية ما حوله. 

ومع ذلك، لم يكن متأخراً ليدرك أن الإنسان لا يكبر حين يعلو فوق الآخرين، بل حين يعلو فوق نفسه.

عاد ينظر إلى الماء، فرأى صورته تتماوج، لكنها هذه المرة كانت أكثر صدقاً. 

فهم أن النجاح الحقيقي يبدأ عندما نمتلك الشجاعة لنقف في الجهة المقابلة من ذواتنا.

وأن العدل لا يولد من قوة الموقف، بل من قدرتنا على رؤية الموقف من جهتين.. 

وأن الحياة لا تصبح أخفّ إلا حين نكفّ عن تفضيل أنفسنا على حساب من نحب، ونمنح قلوبنا فرصة أن ترى كما ترانا عيون الآخرين.

خارج النص:

أراك تلعب لعبة إلكترونية مع شاب في تركيا ، وعجوز من اليابان ، وامرأة كندية ! الانترنت – وكل وسائل الاتصال الجديدة – رائعة ومذهلة ، ولكن لا تجعل انشغالك بها : يُقربك من البعيد ليُبعدك عن القريب .

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *