وعثاءُ السفر

⁠يقول جرير:
‏لو كنتُ أعلمُ أنَّ آخِرَ عَهدِكم يومَ الرَّحيلِ فعلتُ ما لم أفعَلِ هكذا حال جرير مع الرحيل، وهو الفراق والبون بين الأجساد، فعند الافتراق تتباعد الخطوات، وفي الرحيل بُعدٌ مكاني وزماني لدى كل طرف عن الآخر.

لم يكن الفراق هيّنًا على ذلك الفتى الذي امتزجت روحه بقرية هادئة في كل تفاصيل الحياة، ففي النهار سعيٌ دؤوب لمتطلبات الحياة من خلال الرعي بمواشيهم، وفي الليل سكونٌ وهدوءٌ حتى ينادي المؤذن لصلاة الفجر كإعلان بيوم جديد، وسعيٍ حثيث.

إعلان الرحيل والترحال يمثل نقطة تحدٍّ في حياة الإنسان، فهو الخروج من حياة لها نمط معين وفيها سكينة وأنشطة مألوفة، إلى عالمٍ جديد يتطلب العديد من المهارات للتأقلم والتكيف معها.

الرحيل هو المشقة، وهو الصمت الذي يلازم الإنسان طوال الرحلة، إلى إنسان يملك الخبرة والتحدي والتأثير كما وصفه ابن بطوطة: “السفر يتركك بلا كلمات، ثم يحولك إلى راوٍ للقصص”.

السفر هو الاستعداد بزادٍ ومؤنةٍ تكفيانك وعثاء السفر، ومشقة الطريق، وبُعد الزمان عن المكان الذي ألفه الإنسان وعاش فيه وارتبط به بكل مشاعره وعواطفه التي ظلت تحاول أن تثنيه عن سفره، والبقاء في مكانٍ آمنٍ يهنأ بعيشٍ وطيبِ مقام به.

قرار السفر والبعد عنوانٌ لمن ألِف التغيير، واستأنس بحياة يملؤها الأمل والتفاؤل والصبر، وبناء علاقات جديده مع عوالم قد تختلف في معالمها عن عالمه، ولكنه قد يتأقلم معها.

السفر وموعده أشد وقعًا على النفس وأُلفتها للآخرين من رحيل القمر البدري الذي أضاء الأرض بجمال نوره وشدة ضوئه، ثم بدأ في الرحيل رويدًا، فالضوء يخبو ويرحل والظلام، يهاجم بقوة حتى يغدو ليلًا سرمديًا كالحًا من شدته لا يكاد الإنسان يرى موطئ قدمه.

السفر استعدادٌ وتهيئةٌ بزاد الرحلة ومؤنتها وتحديد وجهتها، وقبل ذلك هو رحيل المشاعر والعواطف عن ذلك المكان والإنسان الذي ظل يعيش معه زمنًا تمكن من سويداء قلبه ممن عاش معهم وقرر مفارقتهم والرحيل عنهم لوجهة قد تطول وتقصر في رحلة الإنسان في هذه الحياة.

كم نرتحل ونغادر المكان بالأجساد! ولكن تبقى المشاعر والأحاسيس حبيسة العقل تذكره بما لهذا المكان من قيمة معنوية في حياته وقيم تأصلت في ذاته لا يستطيع التخلص منها بسهولة، وإن بعد المكان، وزادت المسافات، وطاب المقام.

فالسفر والترحال كما قال ابن بطوطة: يبدأ بلا كلمات وصمت يطبق على الإنسان، ثم تتحول تلك التجربة رواية قصصية لتلك الرحلة بآلامها وآمالها التي تعترض طريق الإنسان، يأنس ويستمع بها من ألِف السفر، وطاف بالبلدان، وتعرف على خصائص المكان وصفات الإنسان؛ ليعيش معهم ويكون قريبًا منهم، وتتوافق صفاته وأخلاقه مع المكان الذي انتقل إليه.

فالسفر رحلةٌ ممتعة في تجربة الإنسان الذي امتطى السنين، وركب صهوة جوادها، وخاض المعارك من أجل البقاء وإثبات الذات يكون زاده العلم والمنطق، فيها الكثير من العبر واستخلاص النتائج التي تعين الإنسان في هذه الحياة، وتفتح له آفاقًا جديدة، فيأنس بها من بدأ حياته؛ لكي تكون تلك الرحلة بمعلوماتها وتجربتها زاده ونوره الذي يهديه لطريق الصواب، ويختصر عليه المحاولة والخطأ الذي يستهلك وقته وجهده.

عندما نستمع لقصص الآخرين وتجاربهم فنحن في سفرٍ دائم في عالمٍ خاص ألِف خوض التجربة وتحدياتها؛ لكي يقدمها بطابعها الذي عاش به للآخرين، ويختصر الزمن لهم بمحاولاته المستمرة في الحياة بين مدٍّ وجزرٍ ونجاحٍ وفشل.

إن السفر وسنينه، وانقطاع المسافر عن عالمه الذي عاش معه إلى عالمٍ آخر، لهي تجربةٌ ثريةٌ فيها من التعلّم لما يكسبه مهارات الحياة والتعامل مع أطياف البشر، وتكوين علاقات وصداقات جديدة مع مجتمعات تختلف عن مجتمعه الأصلي، وتكسبه الكثير من صنوف المعارف؛ لكي تكون زاده عند إمتاع الآخرين بالسفر وتحدياته.

من يهوى السفر وتحدياته يعشق تجاوز المكان القريب إلى المكان البعيد بالرغم من الصعوبات التي تواجه الإنسان والغربة، ولكنه في جميع الأحوال يستطيع التكيف مع عوالمه الجديدة، وتكوين علاقات وصداقات جديدة، وهذه قيمة قلّ تجدها في حياة الاستقرار والمكان الهادئ، فهو كالماء عندما يسكن عن الحركة قد يتلوث ويصبح غير صالح للاستخدام البشري.

السفر رحلةٌ واستكشافٌ، وحياة متجددة مع عوالم جديدة، وأماكن لم تسجل في الذاكرة من قبل، تحرك التساؤلات عند الإنسان في هذا العالم الفسيح، فمن التقط مجاديفه وخاض البحار وزار الأماكن الدفيئة والحارة، وتعامل مع أصناف البشر سيكون -بلا شك- قد أضاف لفكره الكثير من المعلومات والمعارف، وزادت مهارات التفكير وحل المشكلات لديه، وأصبح قصّاصًا وروائيًا للأسفار وتحدياتها؛ إذ تتجدد روحه مع كل سفر. يقول أبو تمام:
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلقٌ لديباجتيهِ فاغتربْ تتجدّدِ

أ.د. محمد بن حارب الدلبحي
عضو هيئة التدريس بجامعة شقراء

مقالات سابقة للكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *