صفحات من ينبع النخل!

قليلة هي الكتب التي تستثيرك للكتابة عنها بمجرد مطالعتها ،وتدفعك للوقوف  والتأمل بمجرد تصفحها ،وتجعلك تهرع لصفحة بيضاء لتحتضن خواطرك قبل تشتتها ،ومن هذه الكتب كتاب الدكتور القدير عبد الله المعيقل (ينبع النخل .صفحات من تاريخها وتراثها )ولاتسألوني عن دوافع الكتابة أهي عن المؤلَف أم المؤلِف؟  أو هي نتاج انجذاب فكري أم شعور عاطفي ؟ وأصدقكم القول :إنني لا أستطيع أن أحدد دافعا واحدا للكتابة بهذه السرعة !   فلأدع السانحة ليراعي ليأخذني إلى حيث تنتهي إليه الحروف  مع كتاب يشدك مذ مصافحته ؛لمايبوح به من وفاء وانتماء للمؤلف نحو الأرض والمكان والإنسان رغم تصرم الأزمان ،فالمؤلف ابن المنطقة التي استوطنت جوانحه ومنحته شموخ نخيلها وانسياب عيونها وعبير نسيمها   عشقا لاتزاحمه ضوضاء  المدنية مهما تغول بها ؛فجاء مؤلفه مشبعا بحكايا الطين ،وغناء (صابية) الرديح،ورقصة البحري  بالسيف في ساحة (المقرح) بسويقة التي شهدت سني حياته الأولى ،فلم ينسه صخب العاصمة وداعة القرية وهدوئها ،ولم يأخذه العطر الباريسي بعيدا عن رائحة الفاغية و الحناء،فجاء غلاف كتابه مشتملا شموخ النخيل ودفء الطين وجمال العيون ،باعثا إشارة مبشرة بروح موضوعية وعمل علمي بمكنة الباحث الرصين فكانت صفحات من سفر كبير ،وبعض من كل ،وجهد من جهود بذلت وستبذل قادما ،وجاء غلافه الخلفي مضمخا بألق القصيدة وجمال الشعر الذي يعود به وبشاعرسويقة إبراهيم الوافي للبدايات في القرية والحنين الدائم لها : هنا سويقة ..ألقاها وكم شهقت         جدرانها لحنيني  واحتمالاتي شربت من نبعها ماء الوفاء  ..وما            ظمئت من بعدها إلا بحسراتي وما أن تتجاوز صفحة الغلاف ،حتى تجدك أمام محتويات الكتاب متجاوزا الإهداء ؛وكأني بالدكتور المعيقل يقدم هذا العمل لكل باحث في حقول المعرفة دون تحديد أوتمييز ،وكما وجدت نفسك أمام محتوياته مباشرة ؛فستجد مقدمة عملية تتجاوز المألوف ؛لتحدثك عن تقسيم الكتاب وفصوله ومحتويات كل فصل باعثا إشارة أخرى عن جدية الطرح ،وحرص الباحث على الإضافة ،وهذا مانجد له شواهد متعددة منها: أنه ربما كان أول مؤلف يفرد للحديث عن ينبع النخل دون البحر ،ولعله أول مؤلف يتناول بالبحث والتحليل نشأة الخيوف وكيفية عملها وبداياته ،ولعله يتميز بتلك الوقفات مع جهود سابقة تناولت تاريخ ينبع مثنيا عليها في مواضع الثناء ، ومراجعا لها في مواضع المراجعة ومخالفا لها في مواطن الاختلاف ،وتتجلى أمانته العلمية في إحالاته المتعددة لمراجعه ،كما تتضح روحه الموضوعية في مواضع الثناء أو الاختلاف أو المراجعة ،فلم يغمط حقا ولم ينكر سبقا ،  كما تتجلى موضوعية مؤلف الكتاب الذي بين أيدينا في تناوله لشعر الكسرة وآرائه وتعليلاته التي لم يسفه فيها رأيا سابقا أو ينتقص من قول قائل وإنما عرض وجهة نظره ،كما توقف عند جملة من الآراء والمقولات التي شاعت ،مبينا عدم صحتها ،ومختلفا مع بعض ماذهب له الشيخ حمد الجاسر رحمه الله ،كما نجده ينفي وجود قبور بعض الشخصيات التي شاع وجود قبور لهم كموسى الجون وحسن المثنى وحسن المثلث! وأما عن الكتاب فضم مقدمة وخمسة فصول  أولها عن الخيوف وثانيها عن الرحالة ورحلات الحج وثالثها عن الأشراف الحسنيين ،ورابعها عن التراث في ينبع ،فيما جاء الفصل الخامس مضمخا بالوفاء صادحا بالانتماء لسويقة قرية المؤلف متحدثا عن مواضعها وآثارها ومعالما وشعرائها ورجالاتها ،ولئن كان التطلع مشروعا  من باحث قدير كالدكتور المعيقل  بأن يتسع الكتاب ليوثق تاريخ قرى ينبع النخل قاطبة ؛فالتماس العذر منطقي في ظل حاجة عمل كهذا لمزيد جهد ومزيد بحث ومزيد وقت ،وبارك الله جهود مؤلف الكتاب الذي وضع نموذجا يحتذى  به في الوفاء لقريته ،فلعله بذلك يستنهض همم الباحثين في القرى الأخرى  لمزيد من البحث والإثراء في تاريخ منطقة عريقة عنوانها (ينبع النخل ) وختاما  الكتاب مهم في موضوعه ،وإضافة ثرية لتاريخ ينبع ،وسأقف هنا دون مزيد قول في محتوياته ،لأدع لكم السانحة لتقرأوا وتقولوا  ،مكررا شكري وتقديري لهذا الجهد البحثي المتميز ! وأخيرا :لعلكم تلتمسون العذر لانسياقي خلف مداد قلمي  ليسطر عباراته كما أراد لها لا كما أردت ،وأحمد الله  أن المداد جاء موافقا للمراد!! نبضة شوق (كسرة )  : ياقسوة الشوق كم يجرح                يرسل على خاطري ذكراه اشتاق الأيام في المقرح                  وشهْد الزمان الذي عشناه                          د. سعد بن سعيد الرفاعي