محمية “الجرفين” التاريخية إلى أين!!

عرفت المحميات في القسم الشمالي من مكة المكرمة منذ العصور الإسلامية المبكرة وظلت متناقلة وتم حفظها بالضرورة ومنها محمية “وادي سرف” ومحمية “يأجج” ومحمية “علاف” ، ولم يصدر لها قانون أو تعريف لموادها الإجرائية مكتوبا سوى بعض الوثائق التي تضبط حدود المراعي وتجرم قطع (الشجر الثابت والنجم النابت) على حد تركيب المصطلحات ولكن لعب العرف المحلي “القبلي” دوره الرائع في طرحها كقوانين شفاهية بين الأجيال.

ولعل الدافع لهذه الإقرار هو حاجة الناس بالضرورة لصيانة الموارد الطبيعية، للرعي وللحطب.. وكل قبيلة تحرص على (حماها) أو (محماتها) للصيد والرعي ولا يسمح لغير أفراد القبيلة التمتع بمميزاتها وربما تنشب معارك إن تم تجاوز تلك الحدود وأحيانا يتم إستئذان شيخ القبيلة للرعي دون الصيد فيقول لهم : (لكم ماها ومراعاها) ويفهم منه فقط هذا التحديد ولكن نادرا  ما يسمح له إلا إن كان بينهم (ميثاق تبادل منافع) فيتم في مدة زمنية محددة ومكان محدد وعلى هذا جرى العرف.

ومن المؤسف أن غالبية تلك المحميات العرفية قد تدهورت  كمحمية “سرف” أو محمية “علاف” وأزيلت تماما باستثناء محمية واحدة أبقت عليها عوادي الدهر .. وهي محمية “الجرفين” وهي جزء من وادي الطرف الواسع، و تقع المحمية شمال وادي سرف بنحو 10كم وإلى الشرق من محافظة الجموم على مسافة 5كم وكانت تعرف في الربع الأول من القرن الثالث عشر بمحمية شعب الذيب.

ذكرها عبد الله عبد الشكور المتوفى سنة1257هـ  في كتابه تاريخ أشراف أمراء مكة المكرمة ، ج2،ص713 ، ضمن أحداث وقعت بين شريف مكة وبعض المناوئين بداية القرن الثالث عشر الهجري ووصف معركة دارت بها وحدد تاريخها في التاسع من شهر صفر من عام 1219هـ و يومها كانت تنشب نزاعات بين أشراف مكة وبعض القبائل لأسباب مختلفة بعضها يتعلق باستباحة الأحمية ، وأظن أن المقبرة الواقعة أسفل وادي الجرفين عند سفح الكثيب هي من نتاج تلك المعركة أو لعل من سكانها قد تم دفنهم قبل ذلك التاريخ بها ويمكن مشاهدة ما يشي بوجود مستوطنات صغيرة بها مثل بقايا من كسر الفخار المزجج أو القشري بعضها يعود لثلاثة قرون على الأقل وأحيانا الأرحية والمساحن وتتركز وسط المحمية جنوب مركز الأمارة اليوم على نحو متسع ويرجح لي أنها مستوطنات متنقلة وغير ثابتة … وهذا يثبت أنها كانت تستغل من قبل أهلها وتستثمر .

ويهمنا أن هناك عقوم رملية نفذت بواسطة الثيران لحجز القليل من السيول لصالح المحمية أو لصالح الأراضي الرطبة بهدف زراعة العثري وتبدو متهالكة اليوم ولكنها كافية لتثبت لنا أن أهلها كانوا على دراية بأهمية ما يسيطرون عليه من موارد طبيعية متجددة ولاشك أنها كانت تتمتع بغطاء نباتي واسع وأحراج ظلت تسمح بالتخفي أو التحصن .

وأول من أشار لها في نطاقه البيئي دراسة بيئية من قبل المركز الوطني لحماية الحياة الفطرية في 6 مارس 2002م، وذكر فيه مسمى وادي الجرفين، وأظنه أخذ من كبار السن في ذلك التاريخ ثم ذكره الكاتب أمين المانع في مقال له تحت عنوان (الجرافات تدمر واديا يضم 30نوعا من الأشجار و20 من الطيور) بالجريدة الاقتصادية ، بالعدد رقم 3146، بتاريخ 22/مايو/2002م  ولعل مصدر أخذ التسمية واحد.

ولكن ظهر مسمى شعب الذيب على نحو مفاجئ في استطلاع صحفي بصحيفة مكة تحت عنوان “تجريف وحصار بالشبوك يتلف نباتات شعب الذيب في الجموم”، بالعدد رقم 2833، بتاريخ 27/رجب/ 1443هـ .

ولسنا بصدد الإسهاب في تاريخها ولكننا سنعرض لجهود الأهالي والدوائر الرسمية المعنية في الحفاظ عليها حتى اليوم رغم المصاعب الشديدة التي واجهوها لكن الوعي البيئي وقدرة الأهالي على صياغة قوة إعلامية أو مكاتبات رسمية ساهمت في احترام مطالبهم  مستفيدين من أنظمة وزارة الزراعة ومصلحة الأرصاد وحماية البيئة وغيرها ، وكان لجهودهم صدى جيدا التي بدأت منذ عام 1409هـ، بمكاتبات تمثلت في منع قطع الأشجار عن طريق الإمارة ووجدوا تعاونا ممتازا ويومها لم يتسع نمط الإستهلاك السكاني  ليشمل رمي المخلفات الصلبة مثل مخلفات البناء ونفايات المنازل ولكنها كانت كافية لتضمن حد أدنى من بقاء المحمية كما تم منع أي معتد على الأشجار بالمحمية واستغلت أفضل استغلال يمكن تحقيقه … ولكن واجهوا في عام 1418هـ سيلا جارفا من التجاوزات بهدف استباحتها ، رغم تماسكه حتى اليوم :

ولن يلبث الحوض الجديد بناؤه

على كـثرة الــــورّاد أن يتهـدما

وقد تقرر وتحويلها إلى  التطوير العقاري مؤخرا فرؤية بتر التخطيط تشاهد اليوم تخترق المحمية من جميع الجهات، وهذا أكبر دليل على إزاحتها لصالح التطوير العقاري المقرر تنفيذه ولعل من واجبنا اليوم أن نوثق لها قبل زوالها فالأجيال القادمة حتما لن تتسامح معنا أبدا ولكن ما ننشره يخفف من عبء اللوم ، وسوف تزال حتما بالكلية وهذا مؤكد فالموجة عارمة وقوية في هذا الاتجاه إلا إذا تضافرت جهود متكاملة وتعاون قوي ووعي جيد بين جميع الجهات المعنية بحماية البيئة والموارد الطبيعية ومطالب الأهالي فسوف تتغير الموجة لصالح (صون الموارد أولا) ساعتها من الممكن أن تنجو من هذا التخطيط المقرر لها وما نسطره هنا لايخرج عما قصدناه وهو توثيق للتاريخ فلعل الأجيال القادمة تحفظ لنا هذا الجهد.

جهود مشتركة بين الأهالي والجهات الحكومية:

إن ما تتعرض له المحمية اليوم من تدهور محتمل لايتحمل مسؤوليته الأهالي لوحدهم فقد بذلوا جهدا واسعا  في سبيل حمايتها ووجدوا تجاوبا رائعا من الجهات الحكومية ولم تبخل الجهات المعنية في حماية البيئة وسوف نحاول عرض  لبعض الجهود التكاملية:

  • دراسة المركز الوطني للحياة الفطرية المشار إليها من قبل مختصين من هيئة الحياة الفطرية بتاريخ 6/مارس/2022م ، وتم توثيق جميع خواصها في دراسة اشتملت على تسع صفحات ..(لم تنشر الدراسة ولم تترجم عن لغتها الإنجليزية لكنها محفوظة لدى المركز) وهي من أهم الدراسات البيئية التي مستها ونشرت الدراسة أول خريطة لها مع توثيق لمظاهرها البيولوجية والجيولوجية .

وتحتاج الدراسة إلى ترجمة ونشر حتى تعم الفائدة وليس لدى الأهالي أي مانع في تمويل نشرها وترجمتها وطباعتها ويمكن تلخيص محتواها على النحو التالي:

  • تتمتع المحمية بمستوى عال من مقومات التراث الطبيعي والثقافي والجمالي ، وهي موئل نموذجي للحياة البرية .
  • التنويه بجهود الأهالي في صون الموارد الطبيعية والحفاظ عليها .
  • رصدت الدراسة 18 نوعا من الطيور و38نوعا من النباتات.
  • إمكانية تعرضها للتدهور البيئي إن لم تتم حمايتها.
  • رصد أهم المسببات لتدهورها ومن أهمها تنفيذ أعمال تضر البيئة  دون دراسة لتأثيرها على البيئة.
  • التوصية بتكوين فريق من السكان المحليين لإدارة المحمية وربطها بالجهات الحكومية المسؤولة ومساعدتهم في إدارة مواردها.

  “وهذا في الأصل كان قائما وبقوة كما قلنا سلفا بموجب العرف والسلوم … لكنه ظل شفاهيا وما تضمنته الدراسة تأكيد سابق”.

  • دراسة اللجنة الفنية (محضر الاجتماع الأول لدراسة ظاهرة موت أشجار السرح…)، من قبل الحياة الفطرية ووزارة الزراعة ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية بتاريخ 23/8/1423هـ , وتم وصف وتوثيق الحياة البرية والطبيعية بالمحمية وما حولها، مع توصيات بضرورة الحفاظ عليها ، وتعاون الأهالي مع اللجنة تعاونا كاملا ورحبوا بجهودها ترحيبا لائقا ووثقوا هذه الزيارة .
  • تقرير عن محمية الجرفين من قبل الهيئة العامة للأرصاد وحماية البيئة بتاريخ 24/صفر/1424 هـ ، ولم يتوان الأهالي في إبداء كامل تعاونهم مع اللجنة وتبرعوا بأوقاتهم ومجهوداتهم في توثيق التسميات المحلية للنباتات وأسماء الأودية والمواقع واستفادت منها الدراسة في صياغة توصياتها ويشكرون على ذلك.
  • تعميد مؤسسة زراعية وطنية من قبل وزارة الزراعة لإعادة تأهيل الغابات وصيانتها وتطويرها بتاريخ 24/جمادى الأولى/1425هـ . وتم استلام المشروع البيئي الرائع .
  • إزالة تعديات على الغابات نفذها قسم التعديات بمحافظة الجموم وأشار لذلك خبر نشر بجريدة المدينة تحت عنوان (إزالة تعديات في قرى الجموم) بتاريخ 27 رجب 1426هـ ، وأشار الخبر لإزالة تعديات على الغابات والمراعي.
  • بناء على توصيات دراسة المركز الوطني للحياة الفطرية وغيرها من التوصيات قام الأهالي بالتعاون فيما بينهم واتفقوا على صياغة موحدة لحماية المحمية من الرعي الجائر وقطع الأشجار ورمي المخلفات وأشارت له صحيفة المدينة بتاريخ 28/صفر/1424 ونص على توافق بين الأهالي ومشايخ القبائل والأعيان من قرى محافظة الجموم على حماية البيئة والغابات والمراعي .. وكان هذا استجابة عفوية لما نصت عليه توصيات الدراسة السابقة .. وليس بالجديد فمثل التوافقات كانت تتم تحت مظلة الأعراف القبلية وذات مصداقية عالية لدى الحاضرين.
  • توقف الأهالي عن الرعي وتعاونهم تماما استجابة لطلب إمارة الجموم بعد تكليف مؤسسة وطنية زراعية لصيانة المحمية وما حولها من قبل وزارة الزراعة ولحين إعادة تأهيل المحمية خوفا من تأثير المبيدات الحشرية ومواد التعقيم على الناس ودوابهم وتم ذلك بناء على خطاب رسمي للأهالي بتاريخ 24/ربيع الآخرة /1424هـ .

وليس بوسعنا عرض جميع ما أنجز الأهالي ولكن ما ذكرنا نماذج وإلا فهناك أضعاف من الجهود والتنسيق بين الأهالي والدوائر الرسمية تستحق التوثيق والنشر ولكننا اكتفينا من القلادة ما أحاط العنق.

مقترحات التطوير:

إن من أهم ما ينبغي طرحه اليوم هو كيفية تطويرها واستثمارها وفق آلية نظام البيئة.. الجديد الذي أقرته الحكومة وجعلته مصدرا لأي جهد مستقبلا… وهو قائم وفعال بشكل كبير اليوم وعليه تستند هذه المقترحات:

  • إيقاف أي نشاط يضر بالبيئة سواء سكاني أو بيولوجي أوتلويثي .
  • الاهتمام بنوعيتها فهناك مقومات جمالية وثقافية نادرة جدا تتمتع بها المحمية دون سواها واستغلالها في هذا الإطار الجمالي والثقافي .
  • إيقاف أي أعمال تضر بالمحمية فمثلها أكبر مؤثر في تدهور المحمية عن طريق تفعيل النظام البيئي وصياغة تفاهمات نافذة بين جميع الجهات أهمها الجهات البيئية والثقافية.
  • إنشاء مشتل زراعي صحراوي لأهم نباتات المحمية مثل السرح والطلح والسلع والتنضب.. أو يقرره المختصون. ونرى إشراك أهل المنطقة في إدارته وتنفيذه عن طريق الشراكة المجتمعية التطوعية التي نصت عليها تعليمات وزارة البيئة والمياه والزراعة.
  • إعادة تشجير سريعة للمواقع المتضررة داخل المحمية وهذا يضمن حدا معقولا من الاحترام الأدبي للمناشط المستقبلية.
  • إزالة البتر المشوهه لمنظر المحمية والتخلص منها بشكل لايضر بالبيئة المحيطة واعتبارها نفايات صلبة.

بدر اللحياني

محافظة الجموم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *