حفيد مميز لدى أمي. لاتسألني لماذا؟ فليس لدي تفسير سوى المثل الذي يقول: ما أعز من الولد إلا ولد الولد..
حقيقة أنقلها للجميع: كل أحفاد أمي مميزون لديها وتحبهم _ رحمها الله_ لكن هذا الحفيد تحديدًا كتبت عنه لأني شهدت مواقف أمي معه حتى توفاها الله؛ والبقية يروحون ويغدون ( حفظهم الله جميعًا)
كانت حريصة عليه منذ الطفولة ألا يبكي جوعًا
وحين يكون عندنا تأمرني مباشرة بتحضير رضعته قبل أن يبكي.
حريصة كذلك على أن ينام في هدوء بعيدًا عن أي مصدر إزعاج.
كانت حريصة على مشاعره بحيث لا يستفزه أحد كما هو الحال عند البعض حينما يمازحون الأطفال.
كانت رحمها الله حريصة على أدق تفاصيله؛ فقد أعطتني ذات يوم مبلغًا من المال وطلبت مني أن أشتري له ملابس دافئة تقيه من برد الشتاء، ليس هذا فحسب بل لابد أن تكون هذه الملابس ناعمة جدًا كنعومة أظفار الطفولة لديه.
حددت لي المقاس والألوان.
وبالفعل اشتريتها وفرحت هي بذلك وبدأت تستعرضها معي وأخذت تزيل الملصقات التي داخلها حتى لا تضايقه.
وألبسته أحدها ( ذات اللون الأخضر الزيتي ) وتركت البقية عندها بحيث تكون غيارًا له عند مجيئه إليها.
ولا أنس ذلك اليوم الذي اقترحتُ عليها أن نجلس أمام حديقة المنزل وقد أرهقها المرض، فوافقت وكان الحفيد الصغير عندنا وعمره لا يتجاوز السبعة أشهر.
أردت حينها أن أجهز المكان فآضع مكانًا للجلسة أمام الأشجار، لكن خفت عليه أن يحبو باتجاه الدرج فقالت-رحمها الله- : أنا سأجلس على الدرج وضعيه في حجري وإذا انتهيتِ احمليه وننزل مكان الجلسة.
وكانت تمشي بصعوبة وتمسك الجدار من شدة التعب، رحمها الله.
وبالفعل فعلتُ كما قالت، وحينما انتهيت وأقبلت لأحمله عنها رفض وأدار وجهه عنى واتجه يرمي نفسها في حضنها، فابتسمت وقالت: ( إذا طبت بحول الله شلتك ) أي إذا تعافيت حملتك.
قدر الله أن يزداد مرضها وانتقلت إلى رحمة الله بعدها بفترة وجيزة؛ ولأن خالتي شديدة الشبه بها
وكنت أحمله في أيام العزاء، وجدته يبتسم ويتجه نحو خالتي أن احمليني( مع أنه في الحقيقة لم يكن يقبل أن يحمله أحدٌ غيري وبعض الأفراد من الأسرة الذين اعتاد رؤيتهم كثيرًا.
قلت لخالتي معلقة على موقفه:
أنت تشبهين أمي كثيرًا ولذلك يظنك هي..
ابتسمت خالتي وهي تضمه وتقول:
( هذا ولد أختي لا آحد يقول له أي شيء ) تقصد لاتزعجونه أو تكدرون خاطره..
والآن وبعد مرور أكثر من عشرين سنة، ماذا تقول عن هذه المواقف وذلك الاحتواء؟؟
سؤال وجهته لحفيد أمي فقال :
( والله إني أعجز عن التعبير،
لكن رحيلها لم يكن أبدًا غيابًا كاملًا
مرت عشرون سنة وعرفت أن جدتي منيرة تركت لنا ‘أمانًا’ يذكرنا بها، يتمثل فيك عمتي فاطمة
وبقية أعمامي
نعم غابت بجسدها لكن روحها باقية في ملامحكم..)
أسأل الله تعالى أن يجمعنا بها وبجدي إبراهيم في الفردوس من الجنة.
أ.فاطمة بنت إبراهيم السلمان
مقالات سابقة للكاتب