بدعوة كريمة من جمعية الإرادة للموهوبين من ذوي الإعاقة لحضور السحور الرمضاني السنوي الذي تقيمه الجمعية لأصحاب المواهب من ذوي الإعاقة المنتمين إليها، تشرفت بحضور اللقاء، وسررت بما عُرض فيه من برنامج وفقرات عكست الصورة المثالية التي يتمتع بها أصحاب الهمم العالية من إبداعات وإنجازات.
حين تكون الإرادة حكاية… يصنع الابتلاء موهبة
في ليلة رمضانية بهيجة جمعت نخبة من رجال وسيدات الأعمال مع الموهوبين من ذوي الإعاقة، لم يكن اللقاء مجرد مناسبة اجتماعية للسحور، بل كان لوحة إنسانية متكاملة، وصورة وضاءة تجسدت فيها مشاعر الصبر والرضا والفخر والانتصار على التحديات.
يجول البصر في أرجاء القاعة، فيرى الوجوه المشرقة وهي تحيي أبطال هذه الليلة، أصحاب الهمم العالية.
وكأننا أمام قصص إنسانية عظيمة، أبطالها شباب وفتيات شاء الله أن يبتليهم في أبدانهم، فعوضهم سبحانه نورًا في عقولهم، وبراعة في مواهبهم، وقوة في إرادتهم.
الإعاقة ليست نهاية… بل بداية الطريق
هؤلاء الموهوبون من ذوي الإعاقة قدموا لنا صورة حية تؤكد أن الابتلاء الجسدي قد يكون بوابة للإبداع، وأن الإنسان لا يُقاس بما فقد من أعضاء، بل بما يملك من عزيمة وإصرار.
لقد أثبت أبناء وبنات جمعية الإرادة أن الجسد قد يضعف، لكن العقل حين يشتعل موهبة يضيء الطريق كله. وأن الإعاقة ليست عائقًا أمام التميز، بل قد تكون سببًا في اكتشاف قدرات ما كانت لتظهر لولا هذا الامتحان الإلهي.
الصبر والكفاح… يعقبهما الفرج والنجاح
وراء كل موهوب وموهوبة قلب أبٍ وأمٍ لا ينكسر.
فخلف هذه الإبداعات والنجاحات آباء وأمهات عاشوا رحلة طويلة من المعاناة، امتزجت فيها مشاعر الصبر على الابتلاء بفرحة الإبداع والإنجاز لأبنائهم وبناتهم.
لله درهم آباء وأمهات ذوي الإعاقة؛
عرفوا القلق يوم اكتشفوا إعاقة طفلهم، ثم عرفوا الطمأنينة حين رأوا موهبته تتفتح.
بكوا في الليالي خوفًا عليه، وها هم يبكون فرحًا هذه الليلة حين رأوه يعتلي منصات التميز.
عاشوا بين دمعة صبر وابتسامة فخر، وبين خوف على مستقبل ابنهم وفرح بما يصنعه من إبداع.
إنهم الشركاء الحقيقيون في كل نجاح، والجنود المجهولون الذين لا تُذكر أسماؤهم، لكن تُكتب آثارهم في كل خطوة يخطوها أبناؤهم نحو التميز والإبداع.
جمعية الإرادة… رعاية تتحول إلى إبداع
تحية تقدير للقائمين على جمعية الإرادة، الذين لم يكتفوا برعاية ذوي الإعاقة، بل آمنوا بقدراتهم، واحتضنوا مواهبهم، وفتحوا لهم أبواب المستقبل.
إنهم يقدمون خدمة، لكنهم يصنعون حياة.
ويدعمون موهبة، لكنهم يبنون إنسانًا.
لقد أثبتت الجمعية أن الموهبة حين تجد من يرعاها تتحول إلى إنجاز، وأن ذوي الإعاقة حين يجدون من يحتضنهم ويهتم بهم يصبحون قادرين على تجاوز كل الحواجز.
ليلة سحور… لكنها ليلة وعي
لم يكن السحور هدفًا في حد ذاته، بل كان درسًا في الإنسانية، ورسالة تقول: إن المجتمع لا يكتمل إلا بجميع أفراده، وإن الإبداع لا يعرف جسدًا كاملًا أو ناقصًا، بل يعرف عقلًا يبدع، وروحًا تقاوم، وقلبًا يؤمن بأن الله يبتلي، لكنه يعوض ويعطي.
ختامًا بهيجًا… وسرورًا منيرًا
غادر الجميع وهم يحملون شعورًا واحدًا:
أن ذوي الإعاقة ليسوا أصحاب نقص، بل أصحاب قدرات استثنائية،
وأن وراء كل موهبة قصة صبر، ووراء كل نجاح أمًّا وأبًا يستحقان ألف تحية.
د. صلاح محمد الشيخ
مستشار تربوي وأسري
مقالات سابقة للكاتب