الاختبارات في رمضان

قراءة تربوية في ضرورة الموازنة بين الانضباط والاعتبار الإنساني

القرارات التعليمية لا تُقاس بصرامتها الإدارية وحدها، بل بقدرتها على تحقيق التوازن بين النظام وروح الرسالة التربوية. ومن هنا، فإن تحديد مواعيد الاختبارات في شهر رمضان يستحق وقفة تأمل، لا من باب الاعتراض، بل من باب المراجعة المسؤولة.

الاختبار في فلسفته التربوية أداة لقياس الفهم وتقويم المسار، لا وسيلة لإثبات الحضور، ولا أداة لضبط السلوك المؤقت. وعندما يُربط التقييم بزمن له خصوصيته الروحية والاجتماعية، فإن الأثر يتجاوز قاعة الامتحان ليصل إلى الطالب وأسرته.

رمضان شهر تتغير فيه أنماط الحياة اليومية: النوم، والتغذية، والتركيز، والالتزامات الأسرية. وهذه المتغيرات تؤثر بطبيعتها في الأداء الذهني، خصوصًا لدى طلاب الصفوف من الرابع إلى السادس، وهم في مرحلة عمرية ما زالوا يبنون فيها قدرتهم على التنظيم الذاتي والاستقرار الانفعالي. فالضغط في هذه السن لا يُنتج دائمًا انضباطًا، بل قد يرسّخ ارتباطًا نفسيًا بين الاختبار والتوتر.

أما بقية المراحل، فالتحدي يأخذ صورة مختلفة؛ إذ تتراكم المتطلبات الأكاديمية، ويصبح التقييم مرتبطًا بمستقبل الطالب ومساره الجامعي. ومع تغير الإيقاع اليومي في رمضان، تزداد الحاجة إلى بيئة تقييم عادلة ومستقرة تضمن أن يقيس الاختبار مستوى الفهم الحقيقي، لا قدرة الطالب على التكيف مع ظرف استثنائي.

ولا يمكن إغفال دور الأسرة؛ فالأب والأم في هذا الشهر يتحملان أعباء إضافية بين العمل ومتطلبات المنزل والعبادة. وعندما تتزامن الاختبارات مع هذا الظرف، فإن الضغط يمتد إلى البيت بأكمله. والأسرة شريك أصيل في العملية التعليمية، وأي قرار لا يضعها ضمن حساباته يبقى ناقصًا في رؤيته.

قد يرى البعض أن تثبيت الاختبارات في هذا التوقيت يعزز الانضباط ويحد من الغياب الذي شهدته بعض الأعوام السابقة. غير أن معالجة ظاهرة الغياب لا تكون بالتركيز على العرض وترك السبب. فالغياب مؤشر يحتاج إلى دراسة أسبابه: هل يرتبط بضعف الدافعية؟ أم بأساليب تدريس تحتاج إلى تطوير؟ أم بفجوة بين الطالب والمدرسة؟ إن الانضباط المستدام لا يُبنى بالضغط المؤقت، بل ببناء قناعة داخلية لدى الطالب بأهمية حضوره وتفاعله.

الأنظمة التعليمية الناجحة، حين تواجه تحديات مشابهة، تتجه إلى تطوير أدوات التقويم بدل تكثيفها؛ فتعتمد على التقييم المستمر، وتوزيع الأعباء على مدار الفصل الدراسي، وتخفيف مركزية الاختبار النهائي، بحيث يصبح التقييم عملية ممتدة لا لحظة مكثفة. وهذا النهج لا يضعف النظام، بل يعززه؛ لأنه يربط التعلم بالمسؤولية الذاتية لا بالخوف من موعد محدد.

والمراجعة هنا لا تعني إلغاء الاختبارات، ولا التقليل من أهمية الالتزام، بل تعني البحث عن صيغة أكثر توازنًا في الأعوام القادمة. ويمكن دراسة إعادة توزيع فترات التقييم، أو تقليل كثافة الاختبارات في شهر رمضان، أو منح الصفوف الدنيا معالجة خاصة تراعي خصائصهم العمرية، أو إشراك الميدان التربوي في تقييم التجربة بشكل مؤسسي منظم.

إن التعليم مشروع طويل الأمد، وكل قرار فيه يجب أن يُنظر إليه من زاوية أثره التراكمي في شخصية الطالب. فالغاية ليست مجرد نجاح رقمي في نهاية فصل دراسي، بل بناء إنسان متزن، واثق، قادر على التعلم دون رهبة.

ولذلك، فإن الدعوة اليوم هي إلى فتح مساحة حوار تربوي هادئ بين صناع القرار والميدان التعليمي وأولياء الأمور، بهدف مراجعة هذه التجربة والاستفادة من نتائجها. فالمراجعة ليست تراجعًا، بل علامة نضج مؤسسي. وحين تتكامل الحكمة الإدارية مع الحس التربوي، تتحول القرارات إلى أدوات تطوير حقيقية، وتبقى الرسالة التعليمية محافظة على جوهرها الإنساني.

 

 

محمد عمر حسين المرحبي

مقالات سابقة للكاتب

تعليق واحد على “الاختبارات في رمضان

نفاع بن مهنا بن ماضي الصحفي

ما شاء الله
في غاية من الدقة و الموضوعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *