في زمنٍ تتسارع فيه التحولات التنموية وتتزايد فيه التحديات البيئية والاجتماعية، لم يعد كافيًا أن تُبنى خطط التنمية على الأرقام والمؤشرات الاقتصادية وحدها، بل أصبح من الضروري أن تنطلق من فهم الإنسان ذاته؛ ثقافته، وسلوكه، ونمط عيشه. من هنا تبرز الأنثروبولوجيا بوصفها علمًا محوريًا يعيد توجيه مسار التنمية نحو الإنسان، لا حوله. وفي هذا السياق، تقدم جامعة القصيم نموذجًا لافتًا في توظيف هذا البعد المعرفي لخدمة التنمية المستدامة، ضمن رؤية علمية تتكامل فيها المعرفة مع الواقع.
فلم تعد الجامعة مؤسسة تعليمية تقليدية تُعنى بإنتاج الخريجين فحسب، بل تحولت إلى فاعل تنموي يقرأ المجتمع بعمق ويستجيب لتحولاته بوعي علمي. ففي بيئة مثل منطقة القصيم، ذات الخصوصية الثقافية والاجتماعية، يصبح فهم البنية المجتمعية مدخلًا أساسيًا لأي مشروع تنموي ناجح. ومن هذا المنطلق، يظهر أثر الأنثروبولوجيا في توجهات الجامعة البحثية والتعليمية، حيث تتجلى في دراسة العادات والتقاليد، وأنماط العلاقات الاجتماعية، والقيم المرتبطة بالعمل والإنتاج، بما يسهم في بناء تدخلات تنموية أكثر واقعية وقبولًا لدى المجتمع.
وفي قلب هذا التوجه العلمي، يبرز دور نوعي ومهم يضطلع به قسم الفلسفة في أصول التربية بكلية التربية في جامعة القصيم، حيث يُعد من الأقسام التي لم تكتفِ بتأصيل المفاهيم التربوية نظريًا، بل اتجهت إلى تعميق فهمها في سياقها الإنساني والثقافي. ويتجلى هذا التميز بوضوح في طرح مقرر متخصص تحت مسمى “أنثروبولوجيا التربية”، وهو طرح يعكس وعيًا أكاديميًا متقدمًا بأهمية الربط بين التربية والثقافة، وبين التعليم وبنية المجتمع.
إن تدريس “أنثروبولوجيا التربية” لا يمثل مجرد إضافة معرفية، بل هو تحول نوعي في بناء المعلم والباحث التربوي، إذ يتيح للطلاب فهم العملية التعليمية بوصفها ظاهرة اجتماعية وثقافية، تتأثر بالقيم والعادات وأنماط التفكير السائدة. ومن خلال هذا المقرر، يصبح الطالب قادرًا على قراءة البيئة التعليمية قراءة تحليلية عميقة، تُدرك الفروق الثقافية، وتستوعب التنوع الاجتماعي، وتُحسن التعامل معه في الميدان التربوي.
كما يسهم هذا التوجه في إعداد كوادر تربوية تمتلك حسًا نقديًا ووعيًا سياقيًا، ما يجعلها أكثر قدرة على تصميم ممارسات تعليمية تتلاءم مع واقع المجتمع، بدلًا من استنساخ نماذج تعليمية قد لا تنجح في بيئات مختلفة. وهذا ما يتقاطع بشكل مباشر مع أهداف التنمية المستدامة، التي تؤكد على أهمية التعليم الجيد المنصف والشامل، القادر على إحداث أثر حقيقي في حياة الأفراد والمجتمعات.
ولا يقتصر أثر هذا الطرح على الجانب التعليمي فحسب، بل يمتد إلى البحث العلمي، حيث يفتح المجال أمام دراسات نوعية تستكشف قضايا مثل التحولات الثقافية في التعليم، ودور الأسرة والمجتمع في تشكيل الخبرة التعليمية، وتأثير العولمة والتقنية على القيم التربوية. وهي موضوعات تمثل اليوم محورًا رئيسًا في الدراسات التربوية المعاصرة، وتعكس مدى مواكبة القسم للاتجاهات العالمية الحديثة.
إن هذا التكامل بين الفلسفة والتربية والأنثروبولوجيا يمنح تجربة جامعة القصيم بعدًا معرفيًا عميقًا، ويؤكد أن التنمية لا يمكن أن تتحقق دون فهم الإنسان في سياقه الثقافي والاجتماعي. كما يعكس رؤية أكاديمية ناضجة تدرك أن بناء الإنسان لا يمر فقط عبر المعرفة، بل عبر فهم جذوره الثقافية وواقعه الاجتماعي.
وفي ظل ارتباط هذه الجهود بمستهدفات رؤية السعودية 2030، تتعزز مكانة الجامعة كمؤسسة فاعلة في تحقيق التحول الوطني، ليس فقط من خلال مخرجاتها التعليمية، بل عبر إسهامها في بناء وعي تنموي قائم على الفهم العميق للإنسان.
وختاماً.. أن ما يقدمه قسم الفلسفة في أصول التربية بكلية التربية بجامعة القصيم يمثل نموذجًا رائدًا في توظيف الأنثروبولوجيا داخل الحقل التربوي، بما يعزز من جودة التعليم وفاعليته، ويجعل من الجامعة بيئة حقيقية لإنتاج المعرفة التي تخدم الإنسان والتنمية معًا. فالتنمية، في جوهرها، ليست مجرد إنجازات مادية، بل هي بناء إنسان واعٍ، قادر على فهم ذاته ومجتمعه، والمساهمة في صناعة مستقبل أكثر استدامة.
عبدالله علي دخيخ الغامدي
طالب دكتوراة بكلية التربية بجامعة القصيم
مقالات سابقة للكاتب